الصفحة 126 من 251

غير أننا ما نكاد نمضى في طريقنا خطوات حتى تخترق آذاننا أنات الضحايا في الجزائر، وصيحات إخواننا الأحرار الأبرار وهم يكافحون طغيان الاستعمار، ويذودون عن بلادهم وطأة الغزاة الذين لا يرعون حقا، ولا يحترمون شعبا. إن الاستعمار كارثة خلقية، ومأساة إنسانية، وجرح عميق في صميم الإيمان، وتحد خطير لرسالات الله، وعمل يستحيل أن يبقى معه هدوء، أو تستقر عليه حال. وليس هناك منطق ينبغى أن يسمع في هذا الشأن غير منطقنا نحن الذين نريد إحقاق الحق، وإبطال الباطل، وتحرير المستعبدين، وإطلاق سراح المسترقين. إنه لا قيمة لقوة تجانب الحق، ولا لانتصار يجافى العدالة. ولا مكان لسلام يفرضه قطاع الطريق بعدما سلبوا الآمنين، وآذوا المؤمنين ... وسيظل العرب أجمعون لائذين بدواعى النجدة، وأواصر الشرف، حتى يقتنع المهاجمون طوعا أو كرها بالعودة إلى عقر دارهم، والتخلى عن نتائج سطوهم وغزوهم. إننا نحن العرب نؤكد جلال الرسالة السلمية التى ننادى بها، ونريد أن نفرغ مع غيرنا من محبى السلام لإقامة حضارة نقية طهور ... وإننا لنستغرب المزاعم الجريئة التى لا تستحى من افتراض فراغ بلادنا، فراغ يملؤه الدخلاء، ويسده الغرباء، أما أصحاب البلاد فهم عالة عليها، ومتطفلون فيها! أى نكر في هذا الكلام؟ وأين- في هذا الهزل- طريق السلام؟.

ضحكت وأنا أسمع أحد الغافلين يقول. إن الإسلام انتشر بالسيف وقلت على الفور: لا يا صاحبى، التعبير الصحيح في هذه القضية: إن الإسلام انتصر على السيف! وإذا كان منتهى كيد الفتنة المغلوبة على أمرها- بعد ما فل حدها- أن ترمى الإسلام بهذا الوصف، فلا على الإسلام من ذلك. لقد أدى الإسلام واجبه في كسر شوكة العدوان، وفي قهر الضلال على التراجع، وعلى ترك المكاسب الطائلة التى حصل عليها .. فليسمع الشتائم والتهم من السلطان المعزول، أو من الوحش المقهور، فلأن يشتم وهو حى يؤدى رسالته النبيلة، أفضل من أن يبيد، ثم تسمع فيه كلمات الرثاء. نعم. وماذا يعود على الإسلام أو على الناس لو أن الرومان أفلحوا في خنقه، أو أن الفرس تمكنوا من شنقه، ثم قال كلاهما بعد أن أهال التراب على جثته: كان دينا مسالما، وكان أتباعه طيبين!.ص_118

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت