الصفحة 128 من 251

إن المسلمين في دفاعهم عن حياتهم ودينهم قتل منهم مثل هذا العدد، ذهبوا إلى الله مظلومين في أعدل حرب يمكن أن تقع على هذه الأرض! ذهبوا إلى الله شهداء لم يصب واحد منهم وهو يسطو على أملاك الآخرين ومعتقداتهم، بل ذهبوا جميعا وهو يدفعون في حرارة وشرف عن دينهم وحقهم. فهل هذه المئات من مجرمى اليهود والمشركين هى التى جاش لها حنان المستشرقين والمبشرين، وثارت لها ثائرتهم، وهم يتهمون الإسلام: إنه انتشر بالسيف؟ إن هؤلاء القتلى بالحق في ربع قرن من الزمان يقتلهم الصليبيون اليوم في ربع ساعة، وهم يطفئون مظاهرة تثور في وطن محروب، طالبة الحرية، ومنادية بحقها في الكرامة! فعلام هذا اللغط المفتعل كله؟ وممن؟ من أرباب حضارة لم تشهد الدنيا نظيرا لها في الفتك بالأبرياء، والإطاحة بالحقوق: حضارة أوروبا وأمريكا، حضارة الحروب التى ملأت المآقي بالعبرات، وخلفت وراءها الألوف المؤلفة من الأرامل واليتامى، والضائعين والضائعات!

وطريقتنا نحن المسلمين في قراءة السيرة النبوية وكتابتها تستحق النظر، فنحن نستعمل كلمة"غزو"استعمالا بعيدا عن دلالته المعروفة. إن الجيش الغازى هو الذى يفصل عن بلاده، ويدخل في ديار الآخرين، والغزو بهذا المفهوم الشائع قرين الهجوم ومرادف العدوان. فإذا طرقك أحد في بيتك، وشن عليك عدوانا آثما، فكيف تعتبر أنت غازيا له؟ ومع ذلك فقد أولم مؤرخو السيرة باستعمال كلمة"غزو"حيث لا غزو هنالك البتة! خذ مثلا غزوة الحديبية، أهذا عنوان يتصل بالواقع من قريب أو بعيد؟ لقد خرج المسلمون لعبادة معروفة، هى زيارة البيت العتيق، ورفضت قريش تمكينهم من ذلك، ثم ردتهم بعد صلح رآه جمهور المسلمين شائنا، وكادوا يموتون في أعقابه غما، فأين رائحة الغزو في هذا الموقف؟ وخذ بدرا- وهى أكبر الغزوات، وأذيعها صيتا- إنها معركة إنجر المسلمون إليها جرا، وحملوا على خوضها حملا: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) .ص_120

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت