صحيح أنهم قاتلوا بإيمان رائع، وثبات كريم، بيد أن ذلك لا يخفى الحقيقة البينة، وهى أنهم مغزوون لا غازون. وكذلك الحالى في أحد، وفي الأحزاب. كان المسلمون يدفعون عن بلدهم عدوا سار إليهم أربعمائة ميل ليستأصل شأفتهم، ويدك دولتهم، ومع ذلك كله فنحن نعد غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ونجعل في طليعتها ء بدرا وأحدا والأحزاب .. إلخ!! .. والسر في ذلك يرجع- في نظرى- إلى حاجة المسلمين لما يثيرهم، فإن تغلغل السلام في طبيعتهم الدينية، وبعدهم الغريب عن سورات التعصب والتحدى، جعل موجهيهم يتحايلون على دفعهم للقتال المشروع بهذا الأسلوب! ولو كان خطأ في تبيانه للواقع. إنهم يعدون غزواتهم كما يعد المفلس أملاكه في الوهم ليشعر أنه غنى، أو ليشعر الآخرين بذلك. والمسلمون بإزاء التعصب المستحكم، والعدوان المستمر أرادوا إشعار خصومهم أنهم لا يؤكلون بسهولة، فقالوا عن أنفسهم: إننا قاتلنا، وسنقاتل! والله يعلم أنهم أبعد الناس طرا عن حب القتال، وأعشق الأم لعهود السلام، وأبذل الأجناس لمشاعر الود والرحمة. بل إن المسلمين ما أخذوا، ونال منهم أعداؤهم إلا لهذه الطبيعة الدينية الوادعة، هذه الطبيعة التى تؤثر السلام على الخصام، وتؤثر المرونة على الجمود، والتى ترمق المخالفين في العقيدة- خصوصا أهل الكتاب الأولين- وكأنها تعتذر لهم!. وهذه الطبيعة الدينية في أمتنا تحتاج إلى نظر على ضوء التجارب المستفادة من تاريخنا الطويل، وعلى ضوء ما كشفت عنه الأيام من طبيعة أعدائها، وطبيعة الأفكار التى تملأ أنفسهم، والمشاعر التى تسيطر عليهم. إذ من الخطر على رسالتنا أن نبنى سياستنا على السماحة المفرطة، بينما يبنى الآخرون سياستهم على خسف الأرض من تحتنا. نعم. ومن الخطر أن نطرح الحذر جانبا، ونسترسل مع سجايا الأمان والثقة، بينما يستدير خصومنا ليغرزوا خناجرهم في ظهورنا. إن حب السلام أصيل في أمتنا، وافتراضه في كل أفق، وانتظاره من كل إنسان، عنصر شائع في معاملاتنا جميعا. ص_121