الصفحة 130 من 251

ولقد أفزعنى أن هذه الحالة أفسدت لنا قضايا اجتماعية وسياسية كثيرة، وطالما هززت رأسى حيرة، ثم رددت أبيات الشاعر القديم:

لو كنت من مازن لم تستبح أبلى *** بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم *** طاروا إليه زرافات ووحدانا

لكن قومى وان كانوا ذوى نفر *** ليسوا من الشر في شىء وإن هانا

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة *** ومن إساءة أهل السوء إحسانا

كأن ربك لم يخلق لخشيته *** سواهم من جميع الباس إنسانا

فليت لى بهم قوما إذا ركبوا *** شنوا الإغارة فرسانا وركبانا

في بلاد الإسلام تسمع خطبا تنضح بالدم، ثم ترى أفواها باسمة، وأيديا قصيرة! أما في أوروبا وأمريكا، فتسمع خطبا تطفح بالمداهنة والمسالمة، ثم ترى أعمالا تشيب لها النواصى من جبروتها وفسقها! ولولا أن أعمال الصليبيين تنطق البكم، لظن الناس كلامهم عن السلام حقا، ولولا أن أحوال المسلمين وما نزل بهم من ظلم يغنى عن البيان، لظن الناس كلامهم عن الحروب رغبة فيها، وحرصا عليها .. !

وضحكت وأنا أسمع تساؤلا يشبه الغمز، فما الذى أخرج المسلمين من جزيرتهم ليفتحوا مصر وأفريقيا، والشام، وآسيا الصغرى؟ ولماذا لم يبقوا في وطنهم الذى خلص لهم، ثم يدعوا مبادئهم تنتشر من تلقاء نفسها، إن وجدت من يقبل عليها أو يقبلها. قلت؟ يبدو أن المسلمين يطالبون وحدهم بما لم يطالب به أحد في العالمين! وإلا فلماذا لم يوجه هذا الكلام إلى الرومان المحتلين لنصف الدنيا بالقهر؟ لماذا يعتبر وجود الرومان في مصر والشام طبيعيا وينظر إلى وجود المسلمين فحسب على أنه شذوذ؟ أئذا احتل الفرنسيون المغرب، وأذلوا أقاليمه الثلاثة، كان ذلك عملا لا يستوجب سؤالا، فإذا ذهب جيش لقص أطراف"الإمبراطورية"الداعرة، ارتفع الصراخ: كيف يحدث هذا؟ إن ذلك هو منطق الصليبيين في كل زمان ومكان، والحقد الخسيس في الميدان العلمى، هو نفسه الحقد الخسيس في الميدان السياسى، هو نفسه الذى يعتبر حربص_122

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت