الصفحة 143 من 251

فإن القوة إنما تخدم غرضا ذاتيا يعيش في نفس إنسان أو جماعة من الناس، ولن تتجاوز حياتها بحال حياة هذا الإنسان أو تلك الجماعة. ونفترض جدلا أن تقوم قوة ما لخدمة غاية من الغايات أجيالا متعاقبة، ونفترض جدلا أن هذه الأجيال قد تواصت فيما بينها على اتخاذ هذه القوة وسيلة لتحقيق الغاية التى تنشدها وتعيش لها. فهل حدث هذا في المجتمع الإسلامى؟ وهل كانت القوة دائما إلى جانب الإسلام تحرسه وتدفع عنه؟ إن الأمر على عكس هذا تماما .. فالتاريخ يشهد شهادة لا شك فيها بأن دولة المسلمين التى قامت في صدر الإسلام، والتى كان ما كان لها من قوة وسطوة .. قد تفككت، وعراها الوهن والضعف، وأصبح المجتمع الإسلامى إمارات ودويلات متخاصمة متنابذة، وخضعت كل دولة من دويلاته لقوى طاغية تضمر للإسلام كل عداوة وترصد له كل شر،. ومع هذا فقد بقى الإسلام في قلوب أهله متمكنا قويا لا يتحولون عنه بحال، مهما أخذوا بالوان العنت والتضييق في الرزق، ومهما عرضوا لصنوف المغريات بالمال والنساء من جانب المبشرين وغير المبشرين .. فتاريخ الاستعمار يؤلف كتابا ضخما أسود الصفحات لما كان يأخذ به المستعمرون الأمم الإسلامية بصفة خاصة، والعربية بصفة أخص، من بغى وإرهاق وتسلط قاهر على مقومات الحياة في تلك الأمم، وخاصة ما يتصل بأخلاقها وتقاليدها المتصلة بالإسلام، والموروثة عن الأسلاف، وذلك ليضعفوا من الصلات التى تصل المسلمين بدينهم، وليوهنوا من الأسباب التى تربط العرب بأصولهم. ومع هذا كله فقد بقى الإسلام قويا متمكنا في القلوب، لم يسلم للمسلمين شىء غيره من عدوان المستعمرين وبغى الباغين. وتاريخ التبشير في المحيط الإسلامى كذلك يحدث عن أكبر هزيمة، وأظهر خيبة منيت بها حركة من الحركات، أو انتهت إليها دعوة من الدعوات. فما استطاعت هذه الحملات التبشيرية التى رصدت لها الأموال الضخمة وجندت لها العقول الجبارة- ما استطاعت هذه الحملات أن تختل مسلما عن دينه، أو تفتنه فيه .. ص_134

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت