الصفحة 152 من 251

وتحتضنه، وتفتديه، بيئة يتعهدها صاحبها كما يتعهد رب الأرض زرعه، حتى يستوى وينضج. وكذلك فعل النبى الكريم، فقد ربى بالوحى جماعة من الناس استنارت بالحق بصائرها، وكاثرت به الجماهير وهى قليلة، ولم تخش في البقاء عليه والدعوة إليه بطش ذى سلطان، أو حنق ذى عدوان. وإلى هذه الفئة المؤمنة بالحق، الصابرة على وحشته ومرارته، وكل إبلاغ العالم كله رسالة الله جل شأنه. فمن آمن فله إيمانه، ومن كفر فعليه كفره. أما أن يمسك السكران بعصاه ليقطع الطريق فلا. أما أن يطلق الأقوياء جنودهم لإحياء ضلالة، أو وأد حرية، أو إقرار مظلمة فلا ... إن الحق منذ نشأة الحضارات على الأرض عانى الآلام الهائلة من الذين ينتهكون حرمته، ويحتقرون حجته، لا لشيء .. إلا لأن أيديهم حافلة بأسباب البغى ... والذين يقرأون القرآن يعلمون أن"السيف"ليست له إلا وظيفة واحدة، هى التدخل لتحكيم العقل وحده، عندما يراد ترجيح الهوى بالقهر، وتسويغ الحيف بالجبروت ... إن ألف بينة وبينة لم تمنع الفرنسيين من تذبيح أهل الجزائر، وإنكار حقهم المبين. ولم تمنع الرومان قديما من استعباد أهل مصر، وجعلهم خدما ينقلون القمح من مزارعهم إلى السادة في"روما". فما تكون وسيلة التفاهم مع هذه النواصي الكاذبة الخاطئة إلا أن تجذ، ويراح العالمون من شرورها .. ؟؟!!

على أن الإسلام ربما عذر القاصرين عن إدراك الحق لتعذر وصوله إليهم، وضعف وسائلهم الخاصة لبلوغ مستواه. ومن هنا حكم علماء المسلمين بنجاة أهل الفترة وأمثالهم، ممن لم يأتهم رسول، ولم تجئهم دعوة ... ص_142

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت