الصفحة 183 من 251

وهكذا حورت الصهيونية مطامعها حين واتتها الفرصة في أواخر القرن التاسع عشر، فقد تولى قيادتها حينذاك الصحفى النمسوى اليهودى"تيودور هرتزل"الذى يعتبر بحق أبا للصهيونية الحديثة ومؤسسها. فقد أصدر عام 1895 كتاب"الدولة اليهودية"ودعا فيه إلى إنشاء دولة يهودية، لتكون نقطة الارتكاز التى يثب منها الشعب اليهودى إلى تحقيق غاياته جميعا، كما دعا إلى مؤتمر يهودى عام يضم أقباطهم وأحبارهم ليتخذوا قرارا أخيرا بشأن هذا الوطن المرجو، وقد كان هرتزل معدا لهذا المؤتمر عدته، فانعقد في مدينة"بال"بسويسرا عام 1897 تحت رئاسته وتوجيهه، ولقد كان أبرز حادث في هذا المؤتمر أن رسم للصهيونية الحديثة طريقا عمليا لتتجمع في فلسطين بالذات لا في الأرجنتين أو أوغندا كما كان مقترحا من قبل اعتمادا على أن الشعور الصهيونى مهيأ للانطلاق نحو صهيون في حرارة وإيمان، ولهذا فإن تيودور صاح في نهاية المؤتمر:"الآن أنشأنا الدولة اليهودية". على أن هذا الاختيار لم يكن من قبيل الرجم بالغيب أو التنبؤ بالمستقبل، فإن الأحداث العالمية حينذاك قد جعلت من فلسطين صيدا ثمينا للصهيونية، لأنها كانت في منطقة نفوذ"الرجل المريض"تركيا، وكان الاستعمار- الإنجليزى الفرنسى- ينتظر الفرصة ليثب على الرجل المريض فيزهق روحه وينعم بالميراث، ولم تعدم الصهيونية حيلة في دفع الاستعمار إلى الحرب بما لها من بأس ونفوذ مالى مخيف. ولقد كان الزعيم الصهيونى هرتزل عمليا حقا، حينما ذهب إلى السلطان عبد الحميد ليساومه على شراء فلسطين بالمال كسبا للوقت، وليتفرغ النشاط اليهودى الرهيب إلى استخدام القوى المستعمرة في تحقيق هدف صهيونى آخر، ولكنه باء بالفشل إذ رفض السلطان التركى العرض اليهودى في تصميم وإصرار. لم يحزن تيودور لهذا الرفض فقد كان على يقين أن الصهيونية بنفوذها القوى قادرة على توجيه الاستعمار بإشارة من إصبعها، وهو الآن يتحفز للوثبة على الدول التى تخضع للحكم التركى، وما دام المال في حوزة الصهيونية فإن الاستعمار واقع في قبضتها لا محالة؟ لأن الإنفاق على حرب استعمارية كهذه ستجعل الذهب اليهودى السيد الآمر، فلو أن الصهيونية طلبت فلسطين ثمنا لذهبها لاستجاب الاستعمار في رضا وقبول، وهذا هو ما حققته الأيام.؟ وقد أكد هذا المعنى الفيلسوف اليهودى كارل ماركس حين يقول: ص_171

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت