الصفحة 189 من 251

ورسالة موسى كان من أغراضها نصرة المظلوم والثورة على الظالم، فهى بهذا المعنى ردت إلى النفوس اليهودية الثقة التى كان قد أوهنها"فرعون"فاستعادت كيانها، وشعرت بوجودها. وليس من المنطق في شىء أن يجمع دين سماوى أشلاء من نفوس مبعثرة لينفخ فيها بالبغضاء للعالم كله، أو ليغرس فيها الحقد المرير على البشرية جميعا، إنما حسب الدين في ذلك أن يأسوا من جراحاتها، ويعيد خلقها من جديد، لتؤمن بالخير، وتعمر بالمحبة والإخاء، وتطرح الشحناء والبغض جانبا. فالحقيقة أن الصهيونية- في قديم أمرها وحديثه- لا سند لها من دين موسى، وإنما هى أطماع سياسية عنصرية صنعت لها دستورا من مسخ التوراة وخيالات"التلمود"وأحلام الأحبار والحكماء من فلاسفة اليهود ... إن تحولهم عن موسى إلى الصهيونية له سببان رئيسيان: الأول: أن بختنصر قد عصف بدولتهم التى أقامها سليمان ولم يكتمل عمرها تسعين عاما. الثانى: كانت وطأة البابليين عليهم في السبى عنيفة مروعة. وقد أحس اليهود إحساسا عميقا بذهاب آمالهم في الدولة وشعروا كذلك أن كيانهم الجماعى كأمة قد صدعته الذلة في جحيم"بابل"فدفعهم هذا الشعور وذلك الإحساس إلى أن يفزعوا إلى أحبارهم وحكمائهم يلتمسون لديهم شيئا من العزاء الذى قد يخفف عنهم وقع ما يجدون، فوجد هؤلاء وأولئك ألا مندوحة لهم من أن يقولوا للمفجوعين الأذلاء شيئا .. أى شئ .. فنظروا في تحريف التوراة فلم يجدوا فيه ريا لنفوس تلهث ظمأ، ولا مقنعا لأفئدة كاد يقتلها اليأس. فوضعوا لهم قصصا في بعضها وعد من عند الله بإقامة دولة، وفي بعضها الآخر أنهم شعب الله المختار، وأنهم لا محالة سيحكمون العالم، وأن من عداهم من الناس خنازير وحشرات خلقوا لخدمتهم، وأن الدنيا كلها خلقت لهم وحدهم دون من سواهم من البشر، وهكذا طفق الأحبار يتخيلون لهم أحلاما يهدهدون بها السذج والدهماء، حتى استقر في مخيلة هؤلاء بعد حين أن ذلك حقيقة لا ريب فيها، ووعد من الله لن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت