كانت إنجلترا سيدة البحار، وآمرة العالم في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فمنحها وعد بلفور في 2 نوفمبر سنة 1917، وإذا كان قاموس اللصوصية يجحد أن من مفرداته كلمة"الوعد"فأخلق بالصهيونية أن ترتاب في وعد بلفور، حتى ولو كان صادرا من حليفها الاستعمار، ولهذا فقد تعمدت أن تسمعه اللغة التى كان يفهمها ... ، ففى المؤتمر الصهيونى الذى عقد في فرنسا سنة 1923 وقف الصهيونى"فلاديمير جابونيسكى"يقول:"إذا رفضت بريطانيا أن تسلمنا فلسطين، فإن اليهود على استعداد لتحريك القوى التى تقضى على بريطانيا"وحينئذ استجاب صاغرا لرغبتها وقدم لها فلسطين؟؟ .. وإذن فهناك حقيقة تؤكدها الأحداث الجارية في العالم قديمه وحديثه، هى أن الاستعمار ظل الصهيونية يتبعها أينما سارت ويحل حيثما حلت، ومن الخطأ أن نفهم أنها تسير في ركابه، أو تخدم غرضا من أغراضه. نعم، قد ترتضي الصهيونية- في بعض الظروف- أن تكون مخلب القط للاستعمار، ولكن مخلب القط هذا لا يلبث أن يتحول في النهاية بسحر صهيونى إلى مخلب أسد فاتك ليستولى على حظه الأوفى من الفريسة، وهكذا فإن أمر الاستعمار معها كله عجب: إن هو خرج في أهاب المنتصر فهى إلى كسب واستعلاء، وإن جلل بالسواد والإخفاق فهى إلى دعة وطمأنينة، لأنها لم تتعود أن تخف إلى نجدة الصديق إذا نبا به الزمن، أو طرقته الحادثات. إن مثلها حين تخدم الاستعمار كمثل المروض الماهر للأسد الجائع، يلوح له من بعيد بقطع اللحم الشهى ليثير فيه غريزة الافتراس حتى يزأر ويهيج. والصهيونية في كل أطوارها تزيد في ضراوة الاستعمار لتطلقه على الشعب الذى تختار، لأن أحقادها المستعرة على البشرية لا ينقع غلتها إلا الدم، وإن طموحها للسيطرة لا يعرف طريقه إلا على الأشلاء. وستعلم الدول المستعمرة- إن عاجلا أو آجلا- أن احتطابها في حبل إسرائيل سيحرمها الأمن والاستقرار، أو لعلها لمست في العدوان الأخير على مصر أن الكارثة كانت وشيكة الوقوع، وأن هيئة الأمم المتحدة قد صنعت لها الخير الكثير ... أو لعلها علمت كذلك أن الصهيونية حين تتصايح بالحرب، فإنما تحاول أن تخلق في العالم جواص_182