إن هذه المؤسسة جاءت في أعقاب طوفان من الدم خلف وراءه سبعين مليونا من القتلى، عدا عشرات الملايين من المشوهين والمنكوبين، وعدا القناطير المقنطرة من الذهب والفضة التى أدركها الغرق أو الحرق. هذه الخسائر الجسيمة إنما نشأت من غليان الآثرة بين ساسة الغرب، ومن جريانهم وراء بريق المطامع الدنيئة، وتهارشهم على انتهاب العالم، ووضع اليد الجائرة على ما فيه ومن فيه.!! فهل اتعظ المحاربون بعد هذا الدمار الشامل؟ وهل ثابوا إلى رشدهم، وكفكفوا من غلوائهم؟ وهل فكروا في انتهاج خطة انصاف تمنع الشجار، وتحط الأوزار، وتصون المستقبل من متاعب الماضى؟؟ كلا كلا .. !! إن شيئا من ذلك لم يحدث، كأن العدالة حديث خرافة، وكأن التعاون على البر والتقوى أمر لا يليق بالدول الكبرى!! إن إنجلترا وفرنسا وغيرهما من الدول المستعمرة لم تزك ضمائرها أبدا على ترادف الآلام، كأن الجراحات التى أثخنتها ما زادتها إلا عتوا، وها هى ذى قد خرجت من حرب ضروس أثارها العدوان المحض، لتستعد لحرب أخرى تشبع نهمها إلى اللحم الحرام والمال الحرام، واسترقاق البلاد والعباد .. وفي سبيل ذلك تتخذ من مؤسسة الأمم المتحدة وسيلة للعبث بمقدرات الشعوب، ومن مكانتها في مجلس الأمن حائلا دون إحقاق الحق ... ولعل من أبشع مخازى العصر الحديث، أن هذه الأمم المتحدة- تحت تأثير أمريكا وإنجلترا وفرنسا- اعترفت بدولة إسرائيل، ومعنى فلك الاعتراف التواطؤ الخسيس على تشريد مليون عربى، والرضا بأن يهلكوا جوعا وضيعة ومسكنة في العراء والغربة، بينما يحل مكانهم المستجلبون من يهود الأرض، في حراسة الاستعمار الغربي وبتشجيعه وإيعازه!!! لقد باركت الأمم المتحدة هذا الضيم الصارخ واستراحت له .. !! واليوم يجئ الرئيس الأمريكى"أيزنهاور"ليعلن أن سياسة أمريكا في الشرق الأوسط ستسير جنبا إلى جنب مع الأمم المتحدة، فهو يقول:"إن أفكارنا تتجه بطبيعة الحال إلى الأمم المتحدة كحامية للأمم الصغيرة، فإن ميثاقها يحملها المسئولية الأولى لصيانة السلام والأمن الدوليين، ولقد منحت بلادنا الأمم المتحدة تأييدها الكامل فيما يتصل بالحرب في المجر ومصر، وقد تمكنت الأممص_199"