الصفحة 235 من 251

يتوالى تراثنا الأدبى تحت أطباق من التراب، كأنه بعض آثار الفراعنة البائدين، حتى يجىء أخيرا رسل الاستعمار الغربى ليستكشفوا مادته، ويعيدوا على الناس عرضه .. ! والمستشرقون قبل كل شىء نصارى متعصبون لجنسهم ودينهم، وهم بموروثاتهم الفكرية والعاطفة، وبطبيعة العمل الذى يحترفونه خدام للدول التى غزت الإسلام في عقر داره، والصور التى يقدمونها للإسلام، والتى ينشرونها بين العدو والصديق، ناضحة بما أكنوا في أنفسهم من عداوة لهذا الدين، وبما بيتوا من شر لأهله .. والرأى السائد بينهم أن محمدا أدعى النبوة، وزعم أن الله يوحى إليه! وهم يتساءلون في سخرية عن هذا الوحى: ما يكون؟ وما طبيعته؟ وكيف يتم؟ وبهذا العقل الناقد ينظر إلى الإسلام وحده! ثم يعتبر قرآنه كتابا إنسانيا لا صلة له بالسماء! وبهذا العقل نفسه ينظر إلى التوراة والإنجيل على أنها كتب سماوية مقدسة! وأن الوحى الذى نزل بها لا يسوغ أن يسئل عنه، ولا أن يقال: ما يكون؟ ما طبيعته؟ كيف تم؟ إن الغرض الذى ينبعثون عنه هو تجريح الإسلام وحده لحساب الاستعمار الصليبى الذى ظفر فجأة بمقدرات المسلمين في الشرق والغرب ..

ثم تجىء"مشكلة الأقليات"كما اخترعها الذهن الاستعمارى الواعى! وليست للنصارى في ربوع المسلمين مشكلات تدرس، ولا مسائل تبحث، فهم عاشوا دهورا ينعمون في ظل وارف من السماحة والتجاوز والعطف .. لكن الغزو الصليبى الذى لم يستفد منهم في العصور الوسطى إلا قليلا يريد في جولته الحاضرة مع الإسلام أن يستفيد منهم في أوسع دائرة مستطاعة، ومن ثم يزعم أن حماية النصارى حيث كانوا أمر يعنيه ويكترث له .. وكما دبر حادثة المالطى في الإسكندرية ليحتل مصر، دبر حادثة دير القمر في لبنان ليجعل من لبنان متكأ له وهو يعبث بمقدرات المسلمين، ويعرقل سياسة التحرر التى ينادون بها. والاستعمار يرى أن وجود هذه الطوائف مهما قل عددها مانع طبيعى من أن يكون الإسلام دينا للدولة! ومانع طبيعى من أن يصار إليه في تشريع أو توجيه، ويرىص_213

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت