إذا أمكن الوصول إلى مجموعة كبيرة من النثر الفنى عند العرب قبل الإسلام، تمثل من ماضيه نحو ثلاثة قرون، فإنه يمكن حينذاك أن يقال بالتحديد ما هى الصفات الأصلية في النثر العربي، وهل القرآن يحاكيها محاكاة تامة، أم هو فن من الكلام جديد.". وقال:"ونحن مع هذه الحيرة لا نستطيع الفرار من الاقتناع بأن القرآن أثر عربى صرف، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم الذى تلقاه وبلغه عربى، ولأ نه نشأ في بيئة عربية وبلسان عربى مبين، وليس أمامنا أى دليل على أنه متأثر تأثرا محسوسا بأداب أخرى أجنبية، وإن كان هذا ممكنا، لأن العرب قبل الإسلام كانوا على اتصال قليل أو كثير بمن جاورهم من الأمم ..". وقال: لا .. ولو تركنا المشكوك فيه من الآثار الجاهلية وعدنا إلى نص جاهلى لا ريب فيه وهو القرآن لرأينا السجع إحدى سماته الأساسية، والقرآن نثر جاهلى- كما أوضحنا ذلك من قبل- والسجع فيه يجرى على طريقة جاهلية حين يخاطب القلب والوجدان ..". وقال أيضا:".. النسيب من الموضوعات التى احتكرها الشعر عند العرب. وتلك نزعة طبيعية: فإن النسيب والغزل من أرق ألحان الغناء، وفلك يفرض أن يؤدى تلك المعانى في كلام مقفى موزون، ولم نجد في المجموعات الأدبية مختارات نثرية في النسيب، لأن مصنفى المجموعات كانوا يفهمون أن الغزل لا يخرج عن الأنفاس الشعرية. غير أننا نجد في النثر لأقدم عهوده نماذج غزلية، كالذى وقع في القرآن وصفا للحور والولدان- نحو: (وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون) . ونحو: (يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين) . وكما جاء في سورة الواقعة: (إنا أنشأناهن إنشاء * فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا) . فهذه كلها أوصاف تدخل في باب النسيب. ص_216"