وإنى أعترف بأنى كنت مخدوعا في تفرق أدبائنا- منهم الدكتور طه- إذ حسبت شرودهم عن النهج السوى ضربا من حيرة الباحثين في اكتشاف الحقيقة، ولونا من الاجتهاد في تلمس الصواب، قد يعذر صاحبه في النتائج التى يصل إليها، وإن خرج على العرف، وأبعد عن المذهب ... وسر خدعتى، أنى رجل لا أعرف غير اللغة العربية، ولم أقف على كتابات المستشرقين الكثيرة بلغاتهم الأخرى ... فلما تكلم النقاد، وأماطوا اللثام عن المواطن الأولى للأفكار التى هاجمتنا، والتى تناولت الإسلام بالهمز واللمز، بل بالطعن والتجريح، عرفت أننا أمام عصابة مأجورة للشيطان، وأن المسألة ليست خطأ الأذكياء في نشدان الحقيقة ... نعم، لقد كنا أمام دواب ناشطة في نقل المطاعن على القرآن الكريم، والسنة المطهرة ... ناشطة في تهوين التراث الإسلامى كله، وصرف المسلمين عن إعزازه والأخذ به ... ناشطة في إخراج أمة جديدة يحتقر تاريخها الماضى، ورسالتها الكبرى وترمق المدنية الغربية بدهشة المعجب، وفقر المتسول. لم يكن إلحاد هؤلاء الكتاب وليد عقول أعياها التفكير فضلت، بل كان إلحادهم وليد اتباع لتوجيهات السادة المستعمرين، وتلقينات الأساتذة المستشرقين! فإذا لم يسيروا وراء المستشرقين على نهج واحد، ساروا في محاذاتهم بحيث لا يبعدون عنهم في طريقة ولا غاية ...
ولقد نقلنا لك عبارات الدكتور زكى مبارك وهو يصف القرآن، وقبل أن ننقل لك عبارات الدكتور طه حسين المماثلة، نضع أيدينا على المصدر الذى نقل منه هذا، وذاك، كما حدده وأوضح معالمه الدكتور محمد البهى قال: هناك صورتان تعرض فيهما فكرة"بشرية القرآن":
1 -الصورة الأولى: أنه"انطباع"في نفس محمد صلى الله عليه وسلم، نشأ عن تأثره ببيئته التى عاش فيها، بمكانها وزمانها، ومظاهر حياتها المادية والروحية ...
2 -والصورة الثانية: أنه"تعبير"الحياة التى عاش فيها محمد صلى الله عليه وسلم. بما فيها المكان، والزمان، وجوا نب الحياة ا لاقتصادية، والسياسية، والدينية، والاجتماعية. ص_218