وإحدى الصورتين ملازمة للأخرى- فإذا كان انطباعا من البيئة فهو يعبر عن هذه البيئة وإذا كان تعبيرا عن البيئة فقد انطبع أولا في نفس قائله، قبل أن يعبر به، وقبل أن يقوله ... كلتاهما إذن تفصح عن: أن القرآن عمل خاص بمحمد صلى الله عليه وسلم تأثر فيه كما يتأثر الإنسان، وعبر به عن المعانى التى كانت في نفسه من بيئته، كما يعبر الإنسان عن أية معان تجول بنفسه قد تأثر بها، وانطبعت في خاطره من الظروف التى تحيط به .. ، ويتوقف تفضيل إحدى هاتين الصورتين على الأخرى- لمن يرى بشرية القرآن- على أحوال البيئة التى يعلن فيها هذا الرأي- فإن كانت بيئة أجنبية أمكن مواجهتها بالصورة الأولى، وهى أن القرآن انطباع نفسى ... أما إذا كانت بيئة إسلامية فيقضى الأمر أن يتبع فيها أسلوب اللف والمداراة- وهذا أليق بالصورة الثانية، وهى أن القرآن يعبر عن الحياة الجاهلية، أى حياة ما قبل الإسلام أصدق تعبيرا ... . الصورة الأولى: ولا أريد هنا أن أنقل لأى مستشرق عبر عن بشرية القرآن، بل سأتخير واحدا يعد مثلا للاتزان بينهم، وهو المستشرق الإنجليزى جب،،؟؟ Gebb"أستاذ الدراسات العربية الآن بجامعة هارفارد بأمريكا الشمالية، وسنرى من النصوص التى ننقلها عنه هنا من كتابه"المذهب المحمدى"أنه آثر الصورة الأولى بأسلوب يبدو فيه تحبنب الألفاظ النابية، والصراحة المكشوفة! وملخص ما يقوله"جب"حتى الآن هو: ا- أن مكة كانت فيها حضارة، وزعامة، ولم تكن أرضا جرداء، ولم يكن سكانها حفاة غلاظا، بل كانت لديهم فطنة، وملكة في السياسة، ومعارف واسعة بالناس والمدن."
2 -وأن حياة محمد صلى الله عليه وسلم حياة مكية خالصة، بما فيها نشأته، ودعوته، وصراعه، فهى حياة محدودة، ودعوته عندئذ ليست دعوة عامة، بل لأناس معينين، واختياره الدعوة بأن تكون دينية. ثم اختياره هذه الدعوة الدينية بأن تكون في صورة حكومة إلهية- من تحديد عوامل الحياة المكية وما دار فيها من اتجاهات سياسية، واقتصادية، ودينية ... ص_219