"وإقرارا للحق يتعين علينا أن نعترف ـ نحن الفرنسيين ـ بأن غزونا للجزائر اتخذ مظهر حرب صليبية".. ! إنه لكذلك يا سيدى! فلماذا نلام إذا أصررنا على إسلامنا وتشبثنا بالبقاء عليه؟ ولماذا يستغرب منا أن نستمد من هذا الدين روح الكفاح المر، أو يعاب علينا أن استدفأنا بعقيدته في العراء، واستلهمناها الحماس والتحمل والمصابرة، وأنسنا بها عندما استوحشنا في عالم سادته قوانين الغاب، حتى إذا مات منا مجاهد أو ضرج في دمائه شهيد قلنا له: أذهب إلى جنة عرضها السموات والأرض، ثم التفتنا إلى من خلفه في مكانه لنقول له: أد واجبك كما أداه أخوك .. هذه طبيعة ديننا. أما طبائعنا، فإن العالم ما رأى أرحم من حضارة العرب، أو أزكى منهم ضمائر في معاملة الأجانب ..
وإذا ذكرنا ما في طباع الترك من جفوة عسكرية، فلنذكر أن ضوابط الإسلام الدقيقة ألزمتها حدود العدل، ولم تترك مجالا للعصبية الدينية أن تستحمق أو تجور. لقد كان الترك قادرين أن يستأصلوا أقباط مصر، بل فكر أحد سلاطينهم في هذا، بيد أن شيخ الإسلام رفض هذه السياسة رفضا باتا، فوقف الحاكم المتحمس عند حدود الدين كما بينها له الفقيه المسلم لم يتجاوزها! وكان الترك قادرين على استئصال نصارى الشام، كما استؤصل مسلمو الأندلس، فما فعلوا شيئا من ذلك، بل دللوهم حتى زادت أموالهم وأولادهم إلى حد بعيد، فأين الثرى من الثريا؟ ولك أن تسأل: بل يجب أن تسأل: ماذا فعلت الكنيسة بعد ما افتضحت في أرجاء الدنيا سلسلة الآثام التى ارتكبها الفرنسيون في الجزائر؟ والإجابة الفذة: لا شىء؟! أحزابها السياسية هى التى تؤيد السفاحين في الجمعية الوطنية الفرنسية، وتناصر غشمهم وقحتهم. ص_036