منفذ بوله بالأسلاك إلى أن مات بعد أن انتزعوا أظافره وهشموا ذراعيه وفقأوا عينيه مقدما، وتحولت المقاطعة إلى معسكرات للتعذيب. لعدة أيام، ومحيت قرى كثيرة من الوجود كما التهمت النيران كل ما رأى الأحباش تحويله إلى رماد، ولم يكن الهجوم في أول الأمر بأقل فظاعة من التعذيب الذى تلى فيما بعد. لقد هجم الأحباش على القرى والمزارع بسرعة بينما كان الناس يترقبون منهم أن يتعقبوا الذين حملوا السلاح في الجبال، ويستعملوا قاذفات اللهب ضد المشافي والنساء والأطفال الذين اختبأوا بين الصخور والأشجار، وطحنوا الأكواخ والبيوت بمن فيها بالدبابات والسيارات المصفحة، ولم يكفهم هذا بل حولوا المجزرة إلى لعبة صيد يتلذذون بها فكانوا يوقفون إطلاق النار ثم يطاردون فرائسهم عبر الحقول بسياراتهم حتى يسحقوهم واحدا واحدا عندما يتعثرون أو يكلون ويقعون على الأرض، وكان بعض الأطفال يتسلقون الأشجار أملا في النجاة ولكن جنود الأحباش البرابرة كانوا يصيدونهم كالعصافير جاعلين منهم أهدافا في مباراة الرمى يتسابقون إليهم ويقتلونهم كالعصافير. ومرت أربعة أيام ومعسكرات التعذيب تجرى بأفظع وأقذر عمليات التنكيل والإذلال، فبكى الرجال وتضرعوا إلى الله، ثم طلب العلماء وأعيان البلد أن يبحثوا عن"الحاج على"ذلك الرجل الطيب الذى كانوا ينظرون إليه في وقت الملمات والذى كان لسان حالهم لدى الأمهريين القساة. وكان الحاج على بن الحاج يحيى هذا يأخذ على عاتقه مهمة الاتصال بالسلطات فيما يختص بالضرائب فيجمعها ويدفعها للأمهريين، ويقبض على المجرمين ويسلمهم إلى المختصين، وذلك حسب الاتفاق القديم الذى يترك للمسلمين إدارة شئونهم الداخلية ولا يسمح للجيش أو البوليس الحبشى بالدخول إلى البلاد أبدا، والحاج على هذا واحدا من الرجال القلائل الذين كانوا يجيدون اللغة الأمهرية لغة الأحباش المسيحيين في تلك المنطقة، أما شعب هذا البلد فكانوا على العموم مغايرين للأحباش في كل شىء: في اللغة والدين، وفي طريقة المعيشة والعبادة، بل إن مشايخ هذا البلد وعلماءه لم يروا بأعينهم كافرا أبدا. وقال الكولونيل"أيى جمدا": إن أحضرت لكم هذا الرجل فهل تسلمون أولادكم الثائرين؟ فقالوا له: آت به ونحن نتفاهم معه، وسأل عنه الكولونيل الجيش فقيل له: إنه في (دلتا) ولكنه لم يكن هناك وسكوا عنه في (ديسى) ثم علموا أنه في أديس أبابا، إذ كان قد هرع إلى العاصمة عندما سمع أن الجيش هجم على البلاد، ص_051