الصفحة 68 من 251

ومن ثم فقد أبوا بجفاء وكبرياء أن يهجروا لغتهم العربية، أو ينسوا تارخهم العريق، أو يفرطوا في دينهم الطهور. وعجز الاستعمار مع طول محاولاته أن يقتل لغتنا أو ديننا .. وإن كانت له ذيول نعمل بعد إجلائه على إيرادها ذات المصير حتى تخلص لنا مواريثنا المادية والروحية دون شوائب .. أما أفريقيا السوداء فقد كانت حالتها على العكس من ذلك. ولنرجع قرونا إلى الوراء لنرى جذور مشكلتها. لقد استطاع المتطوعون من العباد والتجارأن ينشروا الإسلام في أرجاء الصحراء الكبرى، وأن يسيروا مع مجرى النيجر والكونغو والنيل حاملين دعوتهم الكبرى ومدخلين أفواجا من الزنوج في الإسلام. إلا أن هذه الدعاية الناشطة لم تمض في الطريق حتى نهايته. وذلك لأنه لم تكن للدعوة أجهزة منظمة تتابع تقدمها وتزيح العوائق من أمامها .. ثم إن الأمة العربية التى كان يجب أن تغذى جهود المتطوعين سقطت هى نفسها في حوزة السلطان التركى، فبقى الإسلام وحده في أحشاء القارة السوداء ينمو كما تنمو الزراعات البدائية في الأقطار المتخلفة. ومتى حدث ذلك؟ في الوقت الذى شرع فيه الأوروبيون يكتشفون المجاهل، ويبعثون الرواد ليعرفوا حقيقة هذه الأجزاء المبهمة من أرض الله، وليضعوا أيديهم عليها كى تكون ملكا خالصا .. ولا شك أن اكتشاف أفريقيا السوداء أخرأهلها أكثر مما نفعهم، خصوصا في القرون الخمسة الأخيرة، فإن الأوروبيين لم تكن لهم وظيفة إلا خطف الإنسان الإفريقى وبيعه في الأسواق وتشغيله بأعمال السخرة. والعشرون مليونا من زنوج أمريكا هم أحفاد من بقى حيا من آثار هذه المأساة المزعجة. ووسط هذه الأحداث وفي أعقابها أخذت الدول الغربية تبعث بالمبشرين، سواء من الكاثوليك أو البروتستانت لنشر المسيحية، ونشر اللغات الأوروبية. ص_062

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت