ويجب أن نعترف بأن الإسلام لم يكن قد صفى الوثنية من قلب القارة ولا من أطرافها الأخرى .. نعم لقد دخل في الإسلام كثيرون، ولكن جماهير كثيفة ظلت على وثنيتها لا لشىء إلا لأن الحق لم يلح لعينها، فهى لا تدرى شيئا .. واستطاعت المسيحية أن تنشر تعاليمها في دائرة محدودة، واستطاعت ـ وهو المهم ـ أن تلحق نفرا من أذكياء الزنوج بمعاهد أوروبا ليكونوا بعد تثقفهم أولياء الغرب ومعابر لرغباته. لكن تاريخ الرجل الأبيض، وجشعه الموصول لم يعينا على نجاح خطته، فاستيقظت روح التمرد في جنبات القارة السوداء، وقررت أن تكسر قيودها وأن تستعيد كرامتها مهما كان الثمن.
وأسعف الأوروبيين مكرهم للخلاص من هذا المأزق، فتركوا أغلب دول أفريقيا ينال استقلاله بعد أن اتخذوا الضمانات لأمور ذات بال. إن الإسلام هو الدين الأول في أفريقيا، وأتباعه يكونون ثلاثة أرباع القارة، وزحفه الهادىء على حساب الوثنيات القديمة يضاعف رقعته ويزيد قوته. والأوروبيون يكرهون الإسلام أشد الكره، ويتعصبون ضده أقبح التعصب. إنهم يسالمون الشيوعية ولا يسالمونه، ويقبلون الوثنية ولا يقبلونه! وإذن فلابد من صياغة الأوضاع السياسية الجديدة للقارة بحيث تجمد النشاط الإسلامى إن لم تستطع سحقه. ومن ثم رأينا الكثرة المسلمة في كثير من دول القارة محرومة من الحكم، كما رأينا الكثرة السوداء في روديسيا وأفريقيا الجنوبية محرومة من الحكم! لماذا؟ لأن المستعمرين البيض يكرهون الإسلام وأهله، ويحبون أنفسهم ومنافعهم فقط.
ص_063