أما وهذا الإفناء السريع يحرمهم الألوف المؤلفة من ا لرقيق الكادح الذليل، فلا حرج من استحيائهم، على أن لا يتجاوز محياهم هذا النطاق المهين ...
ولا جدال في أن الدين الذى يملى هذا السلوك ليس النصرانية، أو غيرها من شرائع الله، إنما هو دين الهوى وحده، الهوى الذى قال الله في عبيده: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله) . (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا * أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) . هذا الهوى الجامح الظلوم هو سر المآسي التى قارفتها أوروبا عندما مال ميزان القوى إلى جانبها، وملكها زمام الغزو والفتح في آفاق العالمين ... لكن الغرب مع ذلك لا يزعم أنه مسيحى فحسب، بل إنه ليحتضن هذه المسيحية، ويستصحب رجال الكنيسة معه وهو يخترق أعماء القارات المظلمة، فما مبعث تلك الهمجية التى تقارن زحف الصليبيين حيث كان؟ مبعث ذلك أن الدين لدى"الأوروبيين"عصبية محركة، لا عقيدة واعية. والدين عندما يكون عصبية يكون أول شئ يتحمس له الإنسان، وآخر شىء يعمل به! ولا قيمة لعاطفة التدين ولو كانت بأرقى الأديان وأصحها إذا قامت في النفس على هذا النحو المبهم. إن الدين علاقة بين الإنسان والرحمن، تزكو بها النفس وتستنير، وهو لذلك علاقة بين الإنسان والإنسان، أساسها التآخي والتراحم، علاقة إن لم تصل إلى قمة الفضل، فلا يجوز أن تهبط عن مستوى العدل. وإذا قام دين ما بعيدا في هديه العام عن معانى العدل والفضل جميعا، فهو ليس بدين، ولكنه لعنة ماحقة، وأتباعه لن يكونوا رسل رحمة، بل زبانية عذاب .. والصليبية للأسف كانت محور عصبيات غاشمة، اتخذت الدين ستارا لمطامع شتى، ولذلك لم يجن العالم منها منذ اتقدت جذوتها إلا الدمار والبوار. ص_080