الصفحة 87 من 251

وفساد الديانة اليهودية يرجع أيضا إلى هذه الحقيقة، إذ أنها تحولت عن أصلها السماوى إلى عصبية جنسية، يتعارف أبناؤها عليها، كما يتعارف اللصوص على كلمة السر. وكراهية الناس طرأ لليهود مبعثها إحساسهم بهذه الأثرة الجنسية، وما تطفح به من حقد ودناءة. وفي عصرنا هذا التقت النصرانية واليهودية على محاربة الإسلام، وحصار أهله، وتمزيق شمله، ترى ماذا جمع بين النقيضين؟ أهو العامل المشترك في كلتا العصبيتين؟ إنه هو. عصبية تتوارى في مسوح الدين، ولبابها الهوى والظلم. يضاف إلى ذلك أن طبيعة النصرانية باعدت بينها وبين الامتزاج بالعقل والضمير. إن الإنسان عندما يحقن بسائل ما ينساب هذا السائل في دمائه كلها، لكن هل يمكن أن يحقن الإنسان بمادة صلبة؟ إن دخولها في عروقه مستحيل! كذلك استحال على العقل أن يقبل كون الله ثلاثة، واستحال على الضمير أن يقبل التضحية برجل فداء غيره من المذنبين، فبقيت هذه التعاليم خارج الإنسان الأوروبى الذى بقى يتصرف بمشاعره وأفكاره الخاصة، دون التقيد بدين لم تمتزج أسسه بنفسه إلا زعما أو وهما. وذاك سر ما تنطوى عليه الحضارة الغربية من مآثم ومظالم، وسر انهيارها بالحروب المدمرة كلما قامت في فترة سلام. وقد ألف الأستاذ"جودا"أستاذ الفلسفة الإنجليزية كتابا قيما سماه:"سخافات المدنية الحديثة"قال فيه:"إن المدنية الحديثة ليس فيها توازن بين القوة والأخلاق، فالأخلاق متأخرة جدا عن العلم، ومنذ النهضة ظل العلم في ارتقاء، والأخلاق في انحطاط، حتى بعدت المسافة بينهما، وبينما يتراءى الجيل الجديد للناظر فتعجبه خوارقه الصناعية، وتسخير المادة والقوى الطبيعية لمصالحه وأغراضه، إذ هو لا يمتاز في أخلاقه، في شرهه وطمعه، وفي طيشه ونزقه، وفي قسوته وظلمه عن غيره، وبينما هو قد ملك جميع وسائل الحياة إذ هو لا يدرى كيف يعيش، وتوالى الحروب الفظيعة الهائلة دليل على إفلاسه، وأنه يربي نشأه لتموت، وقد خولت له العلوم الطبيعية قوة قاهرة، ولكنه لم يحسن استعمالها، فكان كطفل صغير أو سفيه أو مجنون، يملكون زمام الأمور، ويؤتون مفاتيح الخزائن، فهم لا يزيدون على أن يلعبوا بما فيها من جواهر".. ص_081

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت