ـ [أم صفية وفريدة] ــــــــ [05 - 03 - 09, 03:08 م] ـ
على ضفاف نهر بردى .. حيث غوطة دمشق .. وبين أشجار اللوز والليمون .. ولدت سيدة لم تر العين أبهى من حظها، ولا أعرق من نسبها .. حين تطل بمحياها يختبأ المجد خجلًا من أصالتها وعظيم شرفها.
تلك هي فاطمة بنت عبد الملك بن مروان .. وليدة قصر الخضراء بيت الخلافة الأموي .. سيدة منذ نعومة أظفارها .. حملت بين آثارها خطوات ثابتة لامرأة عربية أصيلة توجت عقلها بعظمة الإسلام وأخلاق العرب المثلى .. فشبت يافعة طلقة المحيا دمثة الخلق رصينة بجمالها القرشي .. فهفت نحوها قلوب الأمراء الأمويين كل يطرق بابها خاطبًا وراغبًا .. لكن والدها عبد الملك تاقت نفسه لأفضلهم عقلًا وأكثرهم عزًا وأنبلهم خلقًا ابن أخيه عمر بن عبد العزيز .. ولم يتردد خليفة المسلمين في أن يعرض عليه الأمر قائلًا له: قد زوجك أمير المؤمنين ببنته فاطمة .. فرد عليه عمر: وصلك الله يا أمير المؤمنين فقد أجزيت وكفيت .. لتدخل فاطمة مروج التاريخ من أبهى بساتينه كشجرة باسقة طيبة الريح وعظيمة الأثر .. فعاشت مع زوجها عيشة الرغد والحب المعطاء .. تجمع السكينة والألفة بين نفسيهما لتصنع من زواجهما نموذجًا جميلًا في التضحية لأجل الهدف النبيل .. فاجتمع لها ما لم يجتمع لنساء الأرض قاطبة من العظمة والسؤدد والجاه والزواج السعيد.
ثم توجت أقدار السماء نعيمها على سيدة بني أمية حين توفي أخوها سليمان بن عبد الملك تاركًا الأمر من بعده لعمر بن عبد العزيز .. لتصبح حفيدة لخليفة وابنة لخليفة وأختًا لأربعة خلفاء، ثم زوجة لخليفة .. غير أن هذا الأمر العظيم لم يكن لعمر بن عبدا لعزيز طمع فيه .. فقد وصلت إليه الخلافة مختالة تجر أذيالها وهو غير راغب بها ولا آبه لتيجانها .. بل تلقفها بوجل كبير وهم تخر له الجبال .. ناظرًا إلى عرشها بقدر التكليف لا التعظيم .. ليعود أدراجه إلى منزله بعد سماعه النبأ وقد عرج على الجامع الأموي معتليًا منبره يخاطب الناس بصوت متحشرج باك .. يتوسل إليهم أن يعفوه من هم الخلافة!!! فيزداد الناس به تمسكًا وله إكبارًا .. فيغادرهم على ظهر دابته رافضًا مواكب الخلافة المحلاة بأثمن الجواهر وأعظم الخيول .. تلك المواكب التي اعتاد خلفاء بني أمية ركوبها بعد اعتلائهم سدة الحكم .... ليصل إلى بيته وقد لبسه الهم والحزن .. لا يقوى على تحمل المصاب .. في وقت كانت فاطمة سعيدة بما حباها القدر من حظوة حين صارت زوجة لخليفة المسلمين فتخرج لاستقباله فرحة متزينة كعادة النساء، بأنفس اللآلئ والحلي .. وقد علت وجنتيها إمارات السعادة والابتهاج .. لتفاجأ به مهمومًا يذرف الدموع ولا يقوى لسانه على وصف الحال .. فتهدئ من روعه وتسأله عما أصابه وهو اليوم خليفة للمسلمين والآمر المطاع .. فيجيبها وقد أجهش في البكاء: يا فاطمة لقد أصبت كربًا ففكرت بالفقير الجائع والمسكين الضعيف والمظلوم المقهور فعلمت أن الله عز وجل سائلي عنهم يوم القيامة .. لتخبو بهذه الكلمات شمعة الفرح التي اشتعلت في قلبها وتستيقظ على الواقع الجديد الذي فرضته أعباء الخلافة على زوجها الحبيب .. فتعي الدرس العمري الجديد لترجع بخطاها إلى عهد خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام حين نظروا إلى الحكم مكلفين لا محبين .. فتعلم أنها الآن لا تقف أمام ابن عمها الأمير الأموي المدلل .. بل تقف أمام حفيد عمر بن الخطاب الذي فرق الحق عن الباطل .. وأنها منذ هذه اللحظة مقبلة على حياة ربما لن ترتضيها الكثير من النساء حين تطغى الدنيا بزخرفها الفاني على نعيم الآخرة الباقي عند ضعيفات النفوس ..
لكن عمر لم يترك لها المجال لكثرة التساؤلات فقد بادرها مخاطبًا بما يرتضيه لنفسه من رد الضيع والهبات التي وصلته وهو أمير إلى بيت مال المسلمين .. فلم يبق مما تحت يده إلا ما كان من حر ماله .. ولم يكن ذاك سوى بيتًا متواضعًا بسيطًا .. ويعلم عمر بن عبد العزيز بأن ابنة عمه سليلة الأمجاد وليدة القصور لن تقدر على ما اختاره لنفسه من زهد الطلب وضنك الحياة ومشقة التكليف.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)