أبضاع الجسم، فاليد بضعة، والأذن بضعة، والساعد بضعة، والساق بضعة ... كل هذه قطع، والبضعة: القطعة. إذًا: مادام هو بضعة من الإنسان فهو كسائر أجزاء الجسم يمس بعضها بعضًا فلا وضوء، وفي هذا إشارة إلى القياس، وإشارة إلى إتباع الشيء المختلف فيه بالمتفق عليه. وبهذا أخذ من يقول: إن مس الذكر ليس ناقضًا. فإذا كان ليس ناقضًا فلماذا ذكر هذا الحديث في باب نواقض الوضوء؟ الجواب: هو أن المؤلف رحمه الله جمع هذا الكتاب -بلوغ المرام من أدلة الأحكام- فهناك من يقول: لا وضوء. وهناك من يقول: فيه الوضوء. إذًا: القولان متقابلان، فذكر دليل من يقول: لا ينقض، وسيأتي بدليل من يقول: نعم، ينقض، وقد تكلم المؤلف على هذا الحديث فنقل: أن ابن المديني -وهو إمام جليل في علم الحديث- قال: هو أحسن من حديث بسرة. وأين حديث بسرة هذا؟ يأتي به المؤلف مباشرة بعد حديث طلق ليبين طرفي الاستدلال عند من يقول: ينقض، وعند من يقول: لا ينقض. قال المؤلف رحمه الله: [وعن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره فليتوضأ) أخرجه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان، وقال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب] . حديث بسرة بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره) فخص المس بذكره المضاف إليه، إذًا: عموم الفرج ليس واردًا هنا، فقوله: (من مس ذكره) لا يتناول ذكر غيره، ولا يتناول فرج المرأة، ولا يتناول الدبر، لا يتناول إلا ما جاء النص فيه؛ ولذا فإن هناك من وقف عند هذا اللفظ وقال: لا ينقض الوضوء إلا إذا مس ذكره. وأما ما يتعلق بكيفية المس، فقالوا: أن يكون بغير حائل. كما جاء في حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا: (من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينه وبينه حائل فليتوضأ) ويقول أحمد عن هذا الحديث: هو أحب إليّ من الجميع. ومن هنا توسع النطاق قليلًا فقوله: (من أفضى) تفيد العموم، فتشمل الرجال والنساء (أفضى) الإفضاء: الملاقاة (بيده إلى فرجه) والفرج يشمل ذكر الرجل وفرج المرأة (فليتوضأ) إذًا: المرأة كذلك: إذا أفضت بيدها إلى فرجها فعليها الوضوء. وجاءت رواية أخرى بلفظ: (من أفضى بيده إلى فرجٍ) بالتنوين من دون إضافة، فقالوا: هذا شمل جميع أنواع هذا العضو، حتى قالوا: ولو من بهيمة، وحتى قالوا: من حي أو ميت؛ لأنه يصدق عليه أنه فرج. وخلاصة هذا البحث عند الجمهور: أنه قد جاء حديث طلق مرفوعًا: (إنما هو بضعة منك) وجاء حديث بسرة مرفوعًا: (من أفضى بيده إلى فرجه فعليه الوضوء) ، وجاء أيضًا عن أبي هريرة رواية أخرى مرفوعة: (من مس فرجه فليتوضأ) فجاءت الروايات بهذا، فقالوا: إن حديث طلق وإن قال ابن المديني عنه: هو أحسن من حديث بسرة. إلا أن البخاري قد صحح حديث بسرة، والشافعي قد عارض في صحة حديث طلق، وقال: إنما جاء من طريق قيس بن طلق، وسألنا عن قيس بن طلق هذا فلم نجد من يعرفه. والذين قالوا: لا وضوء منه، أخذوا بحديث طلق قالوا: حديث بسرة قال عنه البخاري: هو أصح شيء في الباب، فقيل: من أين أخذه؟ قالوا: إنه جاء من طريق مروان بن الحكم، فقد جاء في رواية تذاكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: من مس الفرج الوضوء. فقال أبي بن كعب: ما سمعنا بهذا! فقال مروان: أخبرتني بذلك بسرة.ثم أرسل مروان حرسيًا له إلى بسرة فسألها، فرجع الحرسي وأخبرهم بما أخبر به مروان، فلما أنكر المنكر على مروان أرسل رسولًا إلى بسرة، ورجع الرسول بمصداق ما قال به مروان، فقالوا: هذا الحرسي لم نعرفه، فيكون في الحديث مجهول، ولكن يقولون: حديث بسرة قد جاء عن أربعة عشر صاحبيًا، وقال به من الصحابة عمر وغيره، ومن التابعين مجاهد وعطاء، ومن الأئمة أحمد والشافعي، ولم يقل به أبو حنيفة. وهنا لما جاءت الأحاديث، التي شملت حديث طلق والذي يقول فيه ابن المديني: هو أحسن من حديث بسرة. وحديث بسرة يقول فيه البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب. والشافعي يقول: حديث طلق من طريق ولده قيس. وقد سألنا عن ولده قيس فلم نجد من يعرفه، فقالوا: تعارض الحديثان. وعند التعارض نرجع إلى النسخ، ثم إلى الجمع، فإن لم يكن فإلى الترجيح، وهذه الطرق الثلاث هي التي يعتمدها العلماء عند تعارض الأدلة، فبعضهم قال: نمضي إلى النسخ؛ لأن بسرة أسلمت في عام الفتح، وطلق بن علي وفد إلى
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)