الحديث على أن ذكر البول ورد تنبيها على غيره مما يشاركه في معناه من الاستقذار والوقوف على مجرد الظاهر ههنا - مع وضوح المعنى وشموله لسائر النجاسات - ظاهرية محضة.
وأما مالك رحمه الله تعالى: فإذا حمل النهي على الكراهية يستمر حكم الحديث في القليل والكثير غير المستثني بالاتفاق:"وهو المستبحر"مع حصول الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير الماء بالبول فهذا يلتفت إلى حمل اللفظ الواحد إلى معنيين مختلفين وهي مسألة أصولية فإن جعلنا النهي للتحريم: كان استعماله في الكراهة والتحريم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه والأكثرون على منعه والله أعلم.
"وقد يقال على هذا: إن حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ فلا يلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين وهذا متجه إلا أنه يلزم منه التخصيص في هذا الحديث والمخصص: الإجماع على نجاسة المتغير".
الوجه الثاني: اعلم أن النهي عن الاغتسال لا يخص الغسل بل التوضؤ في معناه وقد ورد مصرحا به في بعض الروايات1:"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه"ولو لم يرد لكان معلوما قطعا لاستواء الوضوء والغسل في هذا الحكم لفهم المعنى الذي ذكرناه وأن المقصود: التنزه عن التقرب إلى الله سبحانه بالمستقذرات.
الثالث: ورد في بعض الروايات:"ثم يغتسل منه"وفي بعضها:"ثم يغتسل فيه"ومعناهما مختلف يفيد كل واحد منهما حكما بطريق النص وآخر بطريق الاستنباط ولو لم يرد فيه لفظة فيه لاستويا لما ذكرنا.
الرابع: مما يعلم بطلانه قطعا: ما ذهبت إليه الظاهرية الجامدة: من أن الحكم مخصوص بالبول في الماء حتى لو بال في كوز وصبه في الماء: لم يضر عندهم أو لو بال خارج الماء فجرى البول إلى الماء: لم يضر عندهم أيضا والعلم القطعي حاصل ببطلان قولهم لاستواء الأمرين في الحصول في الماء وأن المقصود: اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء وليس هذا من مجال الظنون بل هو مقطوع به.
وأما الرواية الثانية: وهي قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب"فقد استدل به على مسألة المستعمل وأن الاغتسال في الماء يفسده لأن النهى وارد ههنا على مجرد الغسل فدل على وقوع المفسدة بمجرده وهي خروجه عن كونه أهلا للتطهير به: إما لنجاسته أو لعدم طهوريته ومع هذا فلا بد فيه من التخصيص فإن الماء الكثير - إما القلتان فما زاد على مذهب الشافعي أو المستبحر على مذهب أبي حنيفة - لا يؤثر فيه الاستعمال.
1 ابن خزيمة في صحيحه"73"بزيادة"أو يشرب".