ومالك لما رأى أن الماء المستعمل طهور غير أنه مكروه: يحمل هذا النهي على الكراهة.
وقد يرجحه: أن وجوه الانتفاع بالماء لا تختص بالتطهير والحديث عام في النهى فإذا حمل على التحريم لمفسدة خروج الماء عن الطهورية: لم يناسب ذلك لأن بعض مصالح الماء تبقى بعد كونه خارجا عن الطهورية وإذا حمل على الكراهة: كانت المفسدة عامة لأنه يستقذر بعد الاغتسال فيه وذلك ضرر بالنسبة إلى من يريد استعماله في طهارة أو شرب فيستمر النهي بالنسبة إلى المفاسد المتوقعة إلا أن فيه حمل اللفظ على المجاز أعني حمل النهى على الكراهة فإنه حقيقة في التحريم.
6 -عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا"1 ولمسلم:"أولاهن بالتراب"2.
7 -وله في حديث عبد الله بن مغفل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعا وعفروه الثامنة بالتراب"3.
فيه مسائل:
الأولى: الأمر بالغسل ظاهر في تنجيس الإناء وأقوى من هذا الحديث في الدلالة على ذلك: الرواية الصحيحة وهي قوله صلى الله عليه وسلم:"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه لكلب: أن يغسل سبعا"فإن لفظة:"طهور"تستعمل إما عن الحدث أو عن الخبث ولاحدث على الإناء بالضرورة فتعين الخبث.
وحمل مالك هذا الأمر على التعبد لاعتقاده طهارة الماء والإناء وربما رجحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص وهو السبع لأنه لو كان للنجاسة: لاكتفى بما دون السبع فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة4 وقد اكتفى فيها بما دون السبع والحمل على التنجيس أولى لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدا أو معقول المعنى كان حمله على كونه معقول المعنى أولى لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى.
وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة فممنوع عند القائل بنجاسته نعم ليس بأقذر من نجاسة العذرة ولكن لا يتوقف التغليظ على زيادة الاستقذار.
1 البخاري"172"ومسلم"279"ولفظهما"سبع مرات".
2 مسلم"279""91".
3 مسلم"280""93"ولفظه"في التراب"ولغ يلغ ولغا وولوغا وأكثر ما يكون الولوغ في السباع النهاية ولغ.
4 العذرة: الغائط.