وأيضا فإذا كان أصل المعنى معقولا قلنا به وإذا وقع في التفاصيل ما لم يعقل معناه في التفصيل لم ينقص لأجله التأصيل ولذلك نظائر في الشريعة فلو لم تظهر زيادة التغليظ في النجاسة لكنا نقتصر في التعبد على العدد ونمشي في أصل المعنى على معقولية المعنى1.
المسألة الثانية: إذا ظهر أن الأمر بالغسل للنجاسة: فقد استدل بذلك على نجاسة عين الكلب ولهم في ذلك طريقان:
أحدهما: أنه إذا ثبتت نجاسة فمه من نجاسة لعابه فإنه جزء من فمه وفمه أشرف ما فيه فبقية بدنه أولى.
الثاني: إذا كان لعابه نجسا - وهو عرق فمه - ففمه نجس والعرق جزء متحلب من البدن فجميع عرقه نجس فجميع بدنه نجس لما ذكرناه من أن العرق جزء من البدن.
فتبين بهذا: أن الحديث إنما دل على النجاسة فيما يتعلق بالفم وأن نجاسة بقية البدن بطريق الاستنباط.
وفيه بحث وهو أن يقال: إن الحديث إنما دل على نجاسة الإناء الولوغ وذلك قدر مشترك بين نجاسة عين اللعاب وعين الفم أو تنجسهما باستعمال النجاسة غالبا والدال على المشترك لا يدل على أحد الخاصين فلا يدل الحديث على نجاسة عين الفم أو عين اللعاب فلا تستقيم الدلالة على نجاسة عين الكلب كله.
وقد يعترض على هذا بأن يقال: لو كانت العلة تنجيس الفم أو اللعاب - كما أشرتم إليه - لزم أحد أمرين وهو إما وقوع التخصيص في العموم أو ثبوت الحكم بدون علته: لأنا إذا فرضنا تطهير فم الكلب بماء كثير أو بأي وجه كان فولغ في الإناء: فإما أن يثبت وجوب غسله أو لا فإن لم يثبت وجب تخصيص العموم وإن ثبت لزم ثبوت الحكم بدون علته وكلاهما على خلاف الأصل.
1 قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في الإحكام"1/75"قد ظهر من البحوث الطبية الحديثة: أن وجه غسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب هو: أن في أمعاء الكلاب دودة شريطية صغيرة جدا طولها 4 مليمترات فإذا راث الكلب خرجت بويضاتها بكثرة في الرؤث فيلصق كثير منها بالشعر الذي بالقرب من دبره وعادة الكلب أن ينظف مخرجه بلسانه - فيتلوث لسانه وفمه بها وتنتشر في بقية شعره بواسطة لسانه أو غيره فإذا ولغ الكلب في إناء أو قبله إنسان - كما يفعله الإفرنج ومقلدوهم - علقت بعض هذه البويضات بتلك الأشياء وسهل وصولها إلى فمه في أثناء أكله أو شربه فتصل إلى معدته وتخرج منها الأجنة فتثقب جدار المعدة والأمعاء وتصل إلى أوعية الدم فتحدث أمراضا كثيرة في المخ والقلب والرئة إلى غير ذلك ولما كان تمييز الكلب المصاب بهذه الدودة عسيرا جدا لأنه يحتاج إلى زمن طويل وبحث دقيق بالآلة التي لا يعرف استعمالها إلا القليل من الناس كان اعتبار الشارع إياه موبوءا والغسل من ولوغه سبع مرات إنقاء للإناء بحيث لا يعلق فيه شيء مما ذكرناه هو عين الحكمة والصواب والله أعلم.