فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 549

واستدلوا للجواز بهذا الحديث ووجه الدليل: أنهم عملوا بخبر الواحد ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم.

وفي هذا الاستدلال عندي مناقشة ونظر فإن المسألة مفروضة في نسخ الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد ويمتنع عادة أن يكون أهل قباء - مع قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وانثيالهم له وتيسر مراجعتهم له - أن يكون مستندهم في الصلاة إلى بيت المقدس خبرا عنه صلى الله عليه وسلم مع طول المدة وهي ستة عشر شهرا من غير مشاهدة لفعله أو مشافهة من قوله ولو سلمت أن ذلك غير ممتنع في العادة فلا شك أنه يمكن أن يكون المستند مشاهدة فعل أو مشافهة قول والمحتمل الأمرين لا يتعين حمله على أحدهما فلا يتعين حمل استقبالهم قول والمحتمل على خبر عنه صلى الله عليه وسلم بل يجوز أن يكون على مشاهدة وإذا جاز انتفاء أصل الخبر جاز انتفاء خبر المتواتر لأن انتفاء المطلق يلزم منه انتفاء قيوده فإذا جاز انتفاء خبر التواتر لم يلزم أن يكون الدليل منصوبا في المسألة المفروضة.

فإن قلت: الاعتراض على ما ذكرناه من وجهين أحدهما: أن ما ادعيت من امتناع أن يكون مستندا أهل قباء مجرد الخبر من غير مشاهدة - إن صح - إنما يصح في جميعهم أما في بعضهم: فلا يمتنع عادة أن يكون مستنده الخبر المتواتر.

الثاني: أن ما أبديته من جواز استنادهم إلى المشاهدة: يقتضي أنهم أزالوا المقطوع بالمظنون لأن المشاهدة طريق قطع وإذا جاز إزالة المقطوع به بالمشاهدة جاز زوال المقطوع به بخبر التواتر بخبر الواحد فإنهما مشتركان في زوال المقطوع بالمظنون لأن المشاهدة طريق قطع وإذا جاز إزالة المقطوع به بالمشاهدة جاز زوال المقطوع به التواتر بخبر الواحد فإنهما مشتركان في زوال المقطوع بالمظنون.

قلت: أما الجواب عن الأول: فإنه إذا سلم امتناع ذلك على جميعهم فقد انقسموا إذن إلى من يجوز أن يكون مستنده التواتر ومن يكون مستنده المشاهدة فهؤلاء المستديرون لا يتعين أن يكونوا ممن استند إلى التواتر فلا يتعين حمل الخبر عليهم.

فإن قال قائل: قوله:"أهل قباء"يقتضي أن يكون بعض من استدار مستنده التواتر فيصح الاحتجاج.

قلت: لا شك في إمكان أن يكون الكل مستندهم المشاهدة ومع هذا التجويز: لا يتعين حمل الحديث على ما ادعوه إلا أن يتبين أن مستند الكل أو البعض خبر التواتر ولا سبيل إلى ذلك.

وأما [جواب] الثاني: فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن المقصود التنبيه والمناقشة في الاستدلال بالحديث المذكور على المسألة المعينة وقد تم الغرض من ذلك وأما إثباتها بطريق القياس على المنصوص: فليس بمقصود الثاني: أن يكون إثبات جواز نسخ خبر الواحد للخبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت