الثاني: تكرر من الفقهاء الاستدلال على وجوب ما ذكر في الحديث وعدم وجوب ما لم يذكر فيه فأما وجوب ما ذكر فيه: فلتعلق الأمر به وأما عدم وجوب غيره: فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجوب بل لأمر زائد على ذلك وهو أن الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل وتعريف لواجبات الصلاة وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر.
ويقوي مرتبة الحصر: أنه صلى الله عليه وسلم ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي وما لم تتعلق به إساءته من واجبات الصلاة وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط.
فإذا تقرر هذا: فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه - وكان مذكورا في هذا الحديث - فلنا أن نتمسك به في وجوبه وكل موضع اختلفوا في وجوبه ولم يكن مذكورا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدم من كونه موضع تعليم وقد ظهرت قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات وكل موضع اختلف في تحريمه فلنا أن نستدل بهذا الحديث على عدم تحريمه لأنه لو حرم لوجب التلبس بضده فإن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده ولو كان التلبس بالضد واجبا لذكر ذلك على ما قررناه.
فصار من لوازم النهي: الأمر بالضد ومن الأمر بالضد: ذكره في الحديث على ما قررناه فإذا انتفى ذكره - أعني الأمر بالتلبس بالضد - انتفى ملزومه وهو الأمر بالضد وإذا انتفى الأمر بالضد: انتفى ملزومه وهو النهي عن ذلك الشيء.
فهذه الطرق الثلاث يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاث وظائف.
أحدها: أن يجمع طرق هذا الحديث ويحصي الأمور المذكورة فيه ويأخذ بالزائد فالزائد فإن الأخذ بالزائد واجب.
وثانيها: إذا قام دليل على أحد أمرين: إما عدم الوجوب أو الوجوب فالواجب العمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى منه وهذا في باب النفي يجب التحرز فيه أكثر فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين فيعمل به.
وعندنا: أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر: فالمقدم صيغة الأمر وإن كان يمكن أن يقال: الحديث دليل على عدم الوجوب: وتحمل صفة الأمر على الندب لكن عندنا أن ذلك أقوى لأن عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى وهو أن عدم الذكر في الرواية: يدل على عدم الذكر في نفس الأمر وهذه غير المقدمة التي قررناها وهو أن عدم الذكر يدل على عدم الوجوب لأن المراد ثمة أن