عدم الذكر في نفس الأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على عدم الوجوب فإنه موضع بيان وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان لذكر أو بأن الأصل عدمه وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب.
وأيضا فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة فيعمل بها.
هذا البحث كله بناء على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها والمخالف يخرجها عن حقيقتها بدليل عدم الذكر فيحتاج الناظر المحقق إلى الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في الرواية وبين الظن المستفاد من كون الصيغة للوجوب والثاني عندنا أرجح.
وثالثها: أن يستمر على طريقة واحدة ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر فيتثعلب نظره وأن يستعمل القرائن المعتبرة في ذلك استعمالا واحدا فإنه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين.
الوجه الثالث من الكلام على الحديث: قد تقدم أنه قد يستدل - حيث يراد نفي الوجوب - بعدم الذكر في الحديث وقد فعلوا هذا في مسائل.
منها: أن الإقامة غير واجبة خلافا لمن قال بوجوبها من حيث إنها لم تذكر في الحديث وهذا - على ما قررناه - يحتاج إلى عدم رجحان الدليل الدال على وجوبها عند الخصم وعلى أنها غير مذكورة في جميع طرق هذا الحديث وقد ورد في بعض طرقه: الأمر بالإقامة1 فإن صح فقد عدم أحد الشرطين اللذين قررناهما.
ومنها: الاستدلال على عدم وجوب دعاء الاستفتاح حيث لم يذكر وقد نقل عن بعض المتأخرين - ممن لم يرسخ قدمه في الفقه ممن ينسب إلى غير الشافعي - أن الشافعي يقول بوجوبه وهذا غلط قطعا فإن لم ينقله غيره فالوهم منه وإن نقله غيره - كالقاضي عياض رحمه الله ومن هو في مرتبته من الفضلاء - فالوهم منهم لا منه.
ومنها: استدلال بعض المالكية به على عدم وجوب التشهد بما ذكرناه من عدم الذكر ولم يتعرض هذا المستدل بالسلام لأن للحنفية أن يستدلوا به على عدم وجوب السلام بعينه مع أن المادة واحة إلا أن الدليل المعارض لوجوب السلام أقوى من الدليل على عدم وجوبه فلذلك تركه بخلاف التشهد فهذا يقال فيه أمران:
أحدهما: أن دليل إيجاب التشهد هو الأمر وهو أرجح مما ذكرناه.
1 أبو داود:"861"والترمذي:"302"من حديث رفاعة بن رافع وفيه:"إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد وأقم..."الحديث قال الترمذي: حديث حسن.