واعلم أنه ربما يحتاج في هذه المسألة إلى مقدمة أخرى وهو أن التنفل بركعة فردة: هل يشرع؟ فعليك بتأمله.
2 -عن عائشة رضي الله عنها قالت:"من كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل وأوسطه وآخره وانتهى وتره إلى السحر"1.
اختلفوا في أن الأفضل تقديم الوتر في أول الليل أو تأخيره إلى آخره؟ على وجهين لأصحاب الشافعي مع الاتفاق على جواز ذلك.
وحديث عائشة يدل على الجواز في الأول والوسط والآخر ولعل ذلك كان بحسب اختلاف الحالات وطرو الحاجات وقيل: بالفرق بين من يرجو أن يقوم في آخر الليل وبين من يخاف أن لا يقوم والأول تأخيره أفضل والثاني: تقديمه أفضل.
ولا شك أنا إذا نظرنا إلى آخر الليل من حيث هو كذلك كانت الصلاة فيه أفضل من أوله لكن إذا عارض ذلك احتمال تفويت الأصل قدمناه على فوات الفضيلة وهذه قاعدة قد وقع فيها خلاف ومن جملة صورها: ما إذا كان عادم الماء يرجو وجوده في آخر الوقت فهل يقدم التيمم في أول الوقت إحرازا للفضيلة المحققة أم يؤخره إحرازا للوضوء؟ فيه خلاف: والمختار في مذهب الشافعي أن التقديم أفضل فعليك بالنظر في التنظير بين المسألتين والموازنة بين الصورتين.
3 -عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها"2.
هذا كما قدمناه يتمسك به في جواز الزيادة على ركعتين في النوافل وتأوله بعض المالكية بتأويل لا يتبادر إلى الذهن وهو أن حمل ذلك على أن الجلوس في محل القيام لم يكن إلا في آخر ركعة كأن الأربع كانت الصلاة فيها قياما والأخيرة كانت جلوسا في محل القيام وربما دل لفظه على تأويل أحاديث قدمها هذا منها بأن السلام وقع بين ركعتين وهذا مخالفة للفظ فإنه لا يقع السلام بين كل ركعتين إلا بعد الجلوس وذلك ينافيه قولها:"لا يجلس إلا في آخرها"وفي هذا نظر.
و اعلم أن محط النظر هو الموازنة بين الظاهر من قوله عليه السلام:"صلاة الليل مثنى مثنى"3 في دلالته على الحصر وبين دلالة هذا الفعل على الجواز والفعل يتطرق إليه الخصوص إلا
1 البخاري"996"ومسلم"745".
2 البخاري"1170"دون قولها: يوتر من ذلك .. ومسلم"737".
3 سبق تخريجه.