وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يركعهما لوجوب الاشتغال بالاستماع واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة: أنصت فقد لغوت"1 قالوا: فإذا منع من هذه الكلمة - مع كونها أمرا بمعروف ونهيا عن منكر في زمن يسير - فلأن يمنع من الركعتين - مع كونهما مسنونتين في زمن طويل - أولى ومن قال بهذا القول يحتاج إلى الاعتذار عن هذا الحديث الذي ذكره المصنف والحديث الذي ذكرناه.
وقد ذكروا فيه اعتذارات في بعضها ضعف ومن مشهورها: أن هذا مخصوص بهذا الرجل المعين وهل سليك الغطفاني - على ما ورد مصرحا به في رواية أخرى2 وإنما خص بذلك - على ما أشاروا إليه - لأنه كان فقيرا فأريد قيامه لتستشرفه العيون ويتصدق عليه وربما يتأيد هذا بأنه صلى الله عليه وسلم أمره بأن يقوم للركعتين بعد جلوسه وقد قالوا: إن ركعتي التحية تفوت بالجلوس وقد عرف أن التخصيص على خلاف الأصل: ثم يبعد الحمل عليه مع صيغة العموم وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب"3 فهذا تعميم يزيل توهم الخصوص بهذا الرجل وقد تأولوا هذا العموم أيضا بتأويل مستكره.
وأقوى من هذا العذر: ما ورد:"أن النبي صلى الله عليه وسلم سكت حتى فرغ من الركعتين"4 فحينئذ يكون المانع من عدم الركوع منتفيا فثبت الركوع وعلى هذا أيضا ترد الصيغة التي فيها العموم.
4 -عن جابر رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس"5.
الخطبتان واجبتان عند الجمهور من الفقهاء فإن استدل بفعل الرسول لهما مع قوله:"صلوا كما رأيتموني أصلي"6 ففي ذلك نظر يتوقف على أن يكون إقامة الخطبتين داخلا تحت كيفية الصلاة فإنه إن لم يكن كذلك كان استدلاله بمجرد الفعل.
وفي الحديث: دليل على الجلوس بين الخطبتين ولا خلاف فيه وقد قيل بركنيته وهو منقول عن أصحاب الشافعي.
1 البخاري"934"ومسلم"851"من حديث أبي هريرة.
2 وهي رواية مسلم"875""59"من حديث جابر بن عبد الله.
3 البخاري"1166"ومسلم"875""59"من حديث جابر.
4 الدارقطني عن محمد بن قيس مرسلا"2/16"قال الدارقطني هذا مرسل لا بقوم به الحجة.
5 لم نجده عن جابر وقد أخرجه البخاري"920"ومسلم"861"من حديث ابن عمر أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يقعد كما تفعلون الآن.
وقد أخرجه النسائي بهذا السياق"1417"وإنما عن ابن عمر.
6 البخاري"631"من حديث مالك بن أنس.