المسألة الثالثة: قوله عليه السلام:"إنك لا تستطيع ذلك"تطلق عدم الاستطاعة بالنسبة إلى المعتذر مطلقا وبالنسبة إلى الشاق على الفاعل وعليهما ذكر الاحتمال في قوله تعالى: {وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] فحمله بعضهم على المستحيل حتى أخذ منه جواز تكليف المحال وحمله بعضهم على ما يشق, و هو الأقرب فقوله عليه الصلاة و السلام:"لا تستطيع ذلك"محمول على أنه يشق ذلك عليك على الأقرب ويمكن أن يحمل ذلك على الممتنع: إما على تقدير أن يبلغ من العمر ما يتعذر معه ذلك وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بطريق أو في ذلك التزام لأوقات تقتضي العادة أنه لا بد من وقوعها مع تعذر ذلك فيها ويحتمل أن يكون قوله:"لا تستطيع ذلك"مع القيام ببقية المصالح المرعية شرعا.
المسألة الرابعة: فيه دليل على استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وعلته مذكورة في الحديث واختلف الناس في تعيينها من الشهر اختلافا في تعيين الأحب والأفضل لا غير وليس في الحديث ما يدل على شيء من ذلك فأضرنا عن ذكره.
المسألة الخامسة: قوله عليه السلام:"وذلك مثل صيام الدهر"مؤول عندهم على أنه مثل أصل صيام الدهر من غير تضعيف للحسنات فإن ذلك التضعيف مرتب على الفعل الحسي الواقع في الخارج والحامل على هذا التأويل: أن القواعد تقتضي أن المقدر لا يكون كالمحقق وأن الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح أو المشقة في الفعل فكيف يستوي من فعل الشيء بمن قدر فعله له فأجل ذلك قيل: إن المراد أصل الفعل في التقدير لا الفعل المرتب عليه التضعيف في التحقيق وهذا البحث يأتي في مواضع ولا يختص بهذا الموضع.
ومن ههنا يمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذا اللفظ وشبهه على جواز صوم الدهر من حيث إنه ذكر للترغيب في فعل هذا الصوم ووجه الترغيب: أنه مثل بصوم الدهر ولا يجوز أن تكون جهة الترغيب هي جهة الذم.
وسبيل الجواب: أن الذم - عند من قال به - متعلق بالفعل الحقيق ووجه الترغيب ههنا: حصول الثواب على الوجه التقديري فاختلفت جهة الترغيب وجهة الذم وإن كان هذا الاستنباط الذي ذكر لا بأس به ولكن الدلائل الدالة على كراهة صوم الدهر أقوى منه دلالة والعمل بأقوى الدليلين واجب والذين أجازوا صوم الدهر حملوا النهي على ذي عجز أو مشقة أو ما يقرب من ذلك من لزوم تعطيل مصالح راجحة على الصوم أو متعلقة بحق الغير كالزوجة مثلا.
المسألة السادسة: قوله عليه السلام في صوم داود:"وهو أفضل الصيام"ظاهر قوي في تفضيل هذا الصوم على صوم الأبد والذين قالوا بخلاف ذلك: نظروا إلى أن العمل متى كان أكثر كان الأجر أوفر هذا هو الأصل فاحتاجوا إلى تأويل هذا وقيل فيه: إنه أفضل الصيام.