فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 549

بالنسبة إلى من حاله مثل حالك أي من يتعذر عليه الجمع بين الصوم الأكثر وبين القيام بالحقوق والأقرب عندي: أن يجرى على ظاهر الحديث في تفضيل صيام داود عليه السلام والسبب فيه: أن الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد وليس كل ذلك معلوما لنا ولا مستحضرا وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فمقدار تأثير كل واحد منها في الحث والمنع غير محقق لنا فالطريق حينئذ: أن نفوض الأمر إلى صاحب الشرع ونجري على ما دل عليه ظاهر اللفظ مع قوة الظاهر ههنا وأما زيادة العمل واقتضاء القاعدة لزيادة الأجر بسببه: فيعارضه اقتضاء العادة والجبلة للتقصير في حقوق يعارضها الصوم الدائم ومقادير ذلك الفائت مع مقادير ذلك الحاصل من الصوم غير معلوم لنا وقوله عليه السلام:"لا صوم فوق صوم داود"يحمل على أنه لا فوقه في الفضيلة المسؤول عنها.

2 -عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أحب الصيام إلى الله صيام داود وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما"1.

وفي هذه الرواية زيادة قيام الليل وتقديره بما ذكره ونوم سدسه الأخير: فيه مصلحة الإبقاء على النفس واستقبال صلاة الصبح وأذكار أول النهار بالنشاط والذي تقدم في الصوم من المعارض: وارد هنا وهو أن زيادة العمل تقتضي زيادة الفضيلة والكلام فيه كالكلام في الصوم من تفويض مقادير المصالح والمفاسد إلى صاحب الشرع.

ومن مصالح هذا النوع من القيام أيضا: أنه أقرب إلى عدم الرياء في الأعمال فإن من نام السدس الأخير: أصبح جاما غير منهوك القوى فهو أقرب إلى أن يخفي أثر عمله على من يراه ومن يخالف هذا يجعل قوله عليه السلام:"أحب الصيام"مخصوصا بحالة أو بفاعل وعمدتهم: النظر إلى ما ذكرناه.

3 -عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام"2.

فيه دليل على تأكيد هذه الأمور بالقصد إلى الوصية بها وصيام ثلاثة أيام قد وردت علته في الحديث وهو تحصيل أجر الشهر باعتبار أن الحسنة بعشر أمثالها وقد ذكرنا ما فيه ورأى من يرى أن ذلك أجر بلا تضعيف ليحصل الفرق بين صوم الشهر تقديرا وبين صومه تحقيقا.

1 البخاري"1131"ومسلم"1159"واللفظ له.

2 البخاري"1981"ومسلم"721".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت