مخالفا لاستقبال القبلة واستدبارها كالمدينة التي هي مسكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في معناها من البلاد ولا يدخل تحته ما كانت القبلة فيه إلى المشرق أو المغرب.
الثامن: قول أبي أيوب فقدمنا الشام الخ فيه ما قدمناه ثمة من حملة له على العموم بالنسبة إلى البنيان والصحاري وفيه دليل على أن للعموم صيغة عند العرب وأهل الشرع على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين.
وهذا - أعني استعمال صيغة العموم - فرد من الأفراد له نظائر لاتحصى وإنما نبهنا عليه على سبيل ضرب المثل فمن أراد أن يقف على ذلك فليتتبع نظائرها يجدها.
التاسع: أولع بعض أهل العصر - وما يقرب منه - بأن قالوا: إن صيغة العموم إذا وردت على الذوات - مثلا أو على الأفعال كانت عامة في ذلك مطلقة في الزمان والمكان والأحوال والمتعلقات ثم يقولون: المطلق يكفي في العمل به صورة واحدة فلا يكون حجة فيما عداه وأكثروا من هذا السؤال فيما لا يحصى من ألفاظ الكتاب والسنة وصار ذلك ديدنا لهم في الجدال.
وهذا عندنا باطل بل الواجب: أن ما دل على العموم في الذوات - مثلا - يكون دالا على ثبوت الحكم في كل ذات تناولها اللفظ ولا تخرج عنها ذات إلا بدليل يخصه فمن أخرج شيئا من تلك الذوات فقد خالف مقتضى العموم.
نعم المطلق يكفي العمل به مرة كما قالوه ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث الإطلاق وإنما قلنا به من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كل ذات فإن كان المطلق مما لا يقتضي العمل به مرة واحدة مخالفة لمقتضى صيغة العموم اكتفينا في العمل به مرة واحدة وإن كان العمل به مما يخالف مقتضى صيغة العموم قلنا بالعموم محافظة على مقتضى صيغته لا من حيث إن المطلق يعم مثال ذلك: إذا قال: من دخل داري فأعطه درهما فمقتضى الصيغة: العموم في كل ذات صدق عليها أنها داخلة.
فإن قال قائل: هو مطلق في الأزمان فأعمل به في الذوات الداخلة الدار في أول النهار مثلا ولا أعمل به في غير ذلك الوقت لأنه مطلق في الزمان وقد عملت به مرة فلا يلزم أن أعمل به مرة أخرى لعدم عموم المطلق.
قلنا له: لما دلت الصيغة على العموم في كل ذات دخلت الدار ومن جملتها: الذوات الداخلة في آخر النهار فإذا أخرجت تلك الذوات فقد أخرجت ما دلت الصيغة على دخوله وهي كل ذات.
و هذا الحديث أحد ما يستدل به على ما قلنا فإن أبا أيوب من أهل اللسان والشرع وقد استعمل قوله:"لا تستقبلوا ولا تستدبروا"عاما في الأماكن وهو مطلق فيها.