قوي في التعليل بما ذكرناه إلا أن هذا الحديث مرسل روى الربيع عن الشافعي قال: حديث طاوس هذا مرسل وأهل الحديث لا يثبتونه.
ومنهم من علل بأمر آخر فذكر عيسى بن أبي عيسى قال: قلت للشعبي - هو بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة - عجبت لقول أبي هريرة ونافع عن ابن عمر قال: وما قالا؟ قلت: قال أبو هريرة لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها وقال نافع عن ابن عمر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ذهب مذهبا مواجه القبلة قال: أما قول أبي هريرة: ففي الصحراء إن لله خلقا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن فإنه لا قبلة لها وذكر الدارقطني: أن عيسى هذا ضعيف.
وينبني على هذا الخلاف في التعليل اختلافهم فيما إذا كان في الصحراء فاستتر بشيء هل يجوز الاستقبال والاستدبار أم لا؟ فالتعليل باحترام القبلة يقتضي المنع والتعليل برؤية المصلين يقتضي الجواز.
الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أتيتم الخلاء فلا تستقبلوا القبلة"الحديث يقتضي أمرين: أحدهما: ممنوع منه والثاني: علة لذلك المنع.
وقد تكلمنا عن العلة والكلام الآن على محل العلة فالحديث دل على المنع من استقبالها لغائط أو بول وهذه الحالة تتضمن أمرين: أحدهما: خروج الخارج المستقذر والثاني: كشف العورة فمن الناس من قال: المنع للخارج لمناسبته لتعظيم القبلة عنه ومنهم من قال: المنع لكشف العورة.
وينبني على هذا الخلاف: خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة فمن علل بالخارج أباحه إذ لا خارج ومن علل بالعورة منعه.
السادس: الغائط في الأصل: هو المكان المطمئن من الأرض كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ثم استعمل في الخارج وغلب هذا الاستعمال على الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية.
والحديث يقتضي أن اسم الغائط لا ينطلق على البول لتفرقته بينهما وقد تكلموا في أن قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] هل يتناول الريح مثلا أو البول أو لا؟ بناء على أنه يخصص لفظ الغائط لما كانت العادة أ ن يقصد لأجله وهو الخارج من الدبر ولم يكونوا يقصدون الغائط للريح مثلا أو يقال: إنه مستعمل فيما كان يقع عند قصدهم الغائط من الخارج من القبل أو الدبر كيف كان.
والسابع: قوله:"ولكن شرقوا أو غربوا"محمول على محل يكون التشريق والتغريب فيه.