الوجه السابع: حمل التفرق على التفرق بالأقوال وقد عهد ذلك شرعا قال الله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَ} [النساء: 130] أي عن النكاح.
وأجيب عنه: بأنه خلاف الظاهر فإن السابق إلى الفهم: التفرق عن المكان وأيضا فقد ورد في بعض الروايات:"ما لم يتفرقا عن مكانهما"1 وذلك صريح في المقصود.
وربما اعترض على الأول بأن حقيقة التفرق: لا تختص بالمكان بل هي عائدة إلى ما كان الاجتماع فيه وإذا كان الاجتماع في الأقوال: كان التفرق فيها وإن كان في غيرها: كان التفرق عنه.
وأجيب عنه: بأن حمله على غير المكان بقرينة: يكون مجازا.
الوجه الثامن: قال بعضهم: تعذر المكان بظاهر الحديث فإنه أثبت الخيار لكل واحد من المتبايعين على صاحبه فالحال لا تخلوا: إما أن يتفقا في الاختيار أو يختلفا فإن اتفقا لم يثبت لواحد منهما على صاحبه خيار وإن اختلفا - بأن اختار أحدهما الفسخ والآخر الإمضاء - فقد استحال أن يثبت على كل واحد منهما لصاحبه الخيار إذ الجمع بين الفسخ والإمضاء مستحيل فيلزم تأويل الحديث ولا نحتاج إليه ويكفينا صدكم عن الاستدلال بالظاهر.
وأجيب عنه بأن قيل: لم يثبت صلى الله عليه وسلم مطلق الخيار بل أثبت الخيار وسكت عما فيه الخيار فنحن نحمله على خيار الفسخ فيثبت لكل واحد منهما خيار الفسخ على صاحبه وإن أبي صاحبه ذلك.
الوجه التاسع: ادعاء أنه حديث منسوخ إما لأن علماء المدينة أجمعوا على عدم ثبوت خيار المجلس وذلك يدل على النسخ وإما لحديث اختلاف المتبايعين2 فإنه يقتضي الحاجة إلى اليمينين وذلك يستلزم لزوم العقد فإنه لو ثبت الخيار لكان كافيا في رفع العقد عند الاختلاف وهو ضعيف جدا.
أما النسخ لأجل عمل أهل المدينة: فقد تكلمنا عليه والنسخ لا يثبت بالاحتمال ومجرد المخالفة لا يلزم منه أن يكون للنسخ لجواز أ يكون التقديم لدليل آخر راجح في ظنهم عند تعارض الأدلة عندهم.
1 أخرجه البيهقي في سننه"5/271"عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا عن مكانهما"الحديث وانظر نصب الراية للزيلعي"4/2".
2 أخرج أحمد في مسنده"4444"والترمذي"1270"عن ابن مسعود مرفوعا:"إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار"وقد أخرج نحوه أبو داود"3511"والنسائي"4652".