الرابع: قوله صلى الله عليه وسلم:"ولا يتنفس في الإناء"يراد به إبانة الإناء عند إرادة التنفس لما في التنفس من احتمال خروج شئ مستقذر للغير وفيه إفساد لما في الإناء بالنسبة إلى الغير لعيافته له وقد ورد في حديث آخر:"إبانة الإناء للتنفس ثلاثا"وهو ههنا مطلق.
6 -عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال:"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما: فكان لا يستتر من البول وأما الآخر: فكان يمشي بالنميمة", فأخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة فقالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال:"لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا"1.
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو العباس القرشي الهاشمي المكي أحد أكابر الصحابة في العلم سمي بالحبر والبحر لسعة علمه مات سنة ثمان وستين ويقال كان سنه حينئذ اثنتين وسبعين سنة وبعضهم يروي سنه إحدى - أو اثنتين - وسبعين سنة أعني في مبلغ سنه وكان موته بالطائف.
ثم الكلام عليه من وجوه:
أحدهما: تصريحه بإثبات عذاب القبر على ما هو مذهب أهل السنة واشتهرت به الأخبار وفي إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية تخصه دون سائر المعاصي مع أن العذاب بسبب غيره أيضا إن أراد الله عز وجل ذلك في حق بعض عباده وعلى هذا جاء الحديث:"تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه"2 وكذا جاء أيضا: أن بعض من ذكر عنه أنه ضمه القبر أو ضغطه فسئل أهله فذكروا أنه كان منه تقصير في الطهور.
الثاني: قوله:"و ما يعذبان في كبير"يحتمل من حيث اللفظ وجهين: والذي يحب أن يحمل عليه منهما: أنهما لا يعذبان في كبير إزالته أو دفعه أو الاحتراز عنه أي أنه سهل يسير على من يريد التوقي منه ولا يريد بذلك أنه صغير من الذنوب غير كبير منها لأنه قد ورد في الصحيح من الحديث:"و إنه لكبير"3 فيحمل قوله:"وإنه لكبير"على كبر الذنب4 وقوله:"و ما يعذبان في كبير"على سهولة الدفع والاحتراز.
الثالث: قوله:"أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله"هذه اللفظة - أعني:"يستتر"- قد اختلفت فيها الرواية على وجوه وهذه اللفظة تحتمل وجهين:
1 البخاري"216"و"6055"ومسلم"2028".
2 الدارقطني"1/127"من حديث أنس.
3 من رواية البخاري من حديث ابن عباس"6055".
4 رواية البخاري"216."