قوله في حديث عائشة رضي الله عنها:"فأبده رسول الله صلى الله عليه وسلم"يقال: أبددت فلانا البصر: إذا طولته إليه وكأن أصله من معنى التبديد الذي هو التفريق ويروي: أن عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة قال: أجلسوني, فأجلسوه فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت ولكن لا إله إلا أنت ثم رفع رأسه فأبد النظر فقال: لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جن ثم قبض.
وقولها:"بين حاقنتي وذاقنتي"قيل الذاقنة نقرة النحر وقيل: طرف الحلقوم وقيل: أعلى البطن والحواقن أسافله وكأن المراد: ما يحقن الطعام أي يجمعه ومنه المحقنة - بكسر الميم - التي يحتقن بها ومن كلام العرب: لأجمعن بين ذواقنك وحواقنك.
وفي الحديث الاستياك بالرطب وقد قال بعض الفقهاء: إن الاخضر لغير الصائم أحسن وقال بعضهم: يستحب أن يكون بيابس قد ندي بالماء.
وفيه إصلاح السواك وتهيئته لقول عائشة فقضمته والقضم بالاسنان ومن طلب الاصلاح قول من قال: يستحب أن يكون بيابس قد ندي بالماء لأن اليابس أبلغ في الازالة وتنديته بالماء: لئلا يجرح اللثة لشدة يبسه.
وفي الحديث: الاستياك بسواك الغير, وفيه: العمل بما يفهم من الإشارة والحركات.
وقوله صلى الله عليه وسلم:"في الرفيق الأعلى"إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 69] وقد ذكر بعضهم: أن قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] إشارة إلى ما في هذه الآية وهي قوله: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 69] فكأن هذه تفسير لتلك وبلغني أنه صنف في ذلك كتاب يفسر فيه القرآن بالقرآن.
وقوله صلى الله عليه وسلم:"في الرفيق الأعلى"يجوز أن يكون الأعلى من الصفات اللازمة التي ليس لها مفهوم يخالف المنطوق كما في نحو قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] وليس ثمة داع إلها آخر له به برهان وكذلك قوله: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 21] ولا يكون قتل النبيين إلا بغير حق فكون الرفيق لم يطلق إلا على الأعلى الذي اختص به الرفيق ويقوي هذا: ما ورد في بعض الروايات:"وألحقني بالرفيق"ولم يصفه بالأعلى وذلك دليل على أنه المراد بلفظة:"الرفيق الأعلى".
ويحتمل أن يراد بالرفيق: ما يعم الأعلى وغيره ثم ذلك على وجهين:
أحدهما: أن يختص الرفيقان معا بالمقربين المرضيين ولا شك أن مراتبهم متفاوتة فيكون صلى الله عليه وسلم طلب أن يكون في أعلى مراتب الرفيق وأن كان الكل من السعداء المرضيين.
والثاني: أنه يطلق الرفيق بالمعنى الوضعي الذي يعم كل رفيق ثم يخص منه الأعلى.