الثانية: يدل على انقسام الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر لقوله عليه السلام:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟"وذلك بحسب تفاوت مفاسدها ولا يلزم من كون هذه أكبر الكبائر استواء رتبها أيضا في نفسها فإن الإشراك بالله أعظم كبيرة من كل ما عداه من الذنوب المذكورة في الأحاديث التي ذكر فيها الكبائر.
الثالثة: اختلف الناس في الكبائر.
فمنهم من قصد تعريفها بتعددها وذكروا في ذلك أعدادا من الذنوب ومن سلك هذه الطريقة فليجمع ما ورد في ذلك في الأحاديث إلا أنه لا يستفيد بذلك الحصر ومن هذا قيل: إن بعض السلف قيل له: أنها سبع فقال: إنها إلى السبعين أقرب منها إلى السبع.
ومنهم من سلك طريق الحصر بالضوابط فقيل عن بعضهم: إن كل ذنب قرن به وعيد أو لعن أو حد فهو من الكبائر فتغيير منار الأرض كبيرة لاقتران اللعن به وكذا قتل المؤمن لاقتران الوعيد به والمحاربة به والزنا والسرقة والقذف كبائر لاقتران الحدود بها واللعنة ببعضها.
وسلك بعض المتأخرين طريقا فقال: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإذا نقصت على أقل مفاسد الكبائر فهي من مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليه فهي من الكبائر وعد من الكبائر شتم الرب تبارك وتعالى أو الرسول والاستهانة بالرسل وتكذيب واحد منهم وتضميخ الكعبة بالعذرة وإلقاء المصحف في القاذورات فهذا من أكبر الكبائر ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة.
وهذا الذي قاله داخل عندي فيما نص عليه الشرع بالكفر إن جعلنا المراد بالإشراك بالله مطلق الكفر على ما سنسببه عليه ولا بد مع هذا من أمرين:
أحدهما: أن المفسدة لا تؤخذ مجردة عما يقترن بها من أمر آخر فإنه قد يقع غلط في ذلك ألا ترى أن السابق إلى الذهن أن مفسدة الخمر السكر وتشويش العقل فإن أخذنا هذا بمجرده لزم منه أن لا يكون شرب القطرة الواحدة كبيرة لخلائها عن المفسدة المذكورة لكنها كبيرة فإنها وإن خلت عن المفسدة المذكورة إلا أنه يقترن بها مفسدة الإقدام والتجري على شرب الكثير الموقع في المفسدة فبهذا الاقتران تصير كبيرة.
الثاني: أنا إذا سلكنا هذا المسلك فقد تكون مفسدة بعض الوسائل إلى بعض الكبائر مساويا لبعض الكبائر أو زائدا عليها فإن من أمسك امرأة محصنة لم يزني بها أو مسلما معصوما لمن يقتله فهو كبيرة أعظم مفسدة من أكل مال الربا أو أكل مال اليتيم وهو منصوص عليهما وكذلك لو دل على عورة من عورات المسلمين تفضي إلى قتلهم وسبي.