منطلقا على ما هو أعم من المتساوي الطرفين فلا يدل اللفظ على التساوي إذ الدال على العام لا يدل على الخاص بعينه.
الثاني: أنه قد يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته راجحا باعتبار أمر خارج ولا يتناقض حينئذ الحكمان.
وعلى الجملة: فلا يخلو هذا الموضع من نظر فإنه إن لم يكن فعل هذا المشتبه موجبا لضرر ما في الآخرة وإلا فيعسر ترجيح تركه إلا أن يقال: إن تركه محصل لثواب أو زيادة درجات وهو على خلاف ما يفهم من أفعال الورعين فإنهم يتركون ذلك تحرجا وتخوفا وبه يشعر لفظ الحديث.
وقوله عليه السلام:"و من وقع في الشبهات وقع في الحرام"يحتمل وجهين.
أحدهما: أنه إذا عود نفسه عدم التحرز مما يشتبه أثر ذلك استهانة في نفسه توقعه في الحرام مع العلم به.
والثاني: أنه إذا تعاطى الشبهات وقع في الحرام في نفس الأمر فمنع من تعاطي الشبهات لذلك.
وقوله عليه السلام:"كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه"من باب التمثيل والتشبيه و"يوشك"بكسر الشين بمعنى يقرب و"الحمى"المحمي أطلق المصدر على اسم المفعول وتنطلق المحارم على المنهيات قصدا وعلى ترك المأمورات التزاما وإطلاقها على الأول أشهر.
وقد عظم الشارع أمر القلب لصدور الأفعال الاختيارية عنه وعما يقوم به من الاعتقادات والعلوم ورتب الأمر فيه على المضغة والمراد المتعلق بها ولا شك أن صلاح جميع الأعمال باعتبار العلم أو الاعتقاد بالمفاسد والمصالح.
2 -عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"أنفجنا أرنبا بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا وأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذيها فقبله"1.
يقال لغبوا إذا أعيوا وأنفجت الأرنب بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الفاء وسكون الجيم فنفج أي: أثرته فثار كأنه يقول: أثرناه وذعرناه فعدا و مر الظهران موضع معروف.
والحديث دليل على جواز أكل الأرنب فإنه إنما ينتفع ببعضها إذا ذبحت بالأكل وفيه دليل على الهدية وقبولها.
1 البخاري"2572"ومسلم"1953".