اللهم إلا أن يقال: إنه علل بخوف الإمساك لا بحقيقة الإمساك فيجاب عن هذا بأن أصل التحريم في الميتة فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل وكذلك إذا شككنا في أن الصيد مات بالرمي أو لوجود سبب آخر يجوز أن يحال عليه الموت لم يحل كالوقوع في الماء مثلا.
بل وقد اختفوا فيما هو أشد من ذلك وهو ما إذا غاب عنه الصيد ثم وجده ميتا وفيه أثر سهمه ولم يعلم وجود سبب آخر فمن حرمه اكتفى بمجرد تجويز سبب آخر فقد ذكرنا ما دل عليه الحديث من المنع إذا وحده غريقا لأنه سبب للهلاك ولا يعلم أنه مات بسبب الصيد وكذلك إذا تردى من جبل لهذه العلة نعم يسامح في خبط الأرض إذا كان طائرا لأنه أمر لا بد منه.
4 -عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من اقتنى كلبا - إلا كلب صيد أو ماشية - فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان"1.
قال سالم: وكان أبو هريرة يقول:"أو كلب حرث"وكان صاحب حرث2.
فيه دليل على منع اقتناء الكلاب إلا لهذه الأغراض المذكورة - أعني الصيد والماشية والزرع - وذلك لما في اقتنائها من مفاسد الترويع والعقر للمارة ولعل ذلك لمجانبة الملائكة لمحلها ومجانبة الملائكة أمر شديد لما في مخالطتهم من الإلهام إلى الخير والدعاء إليه.
وفيه دليل على جواز اقتناء لهذه الأغراض واختلف الفقهاء: هل يقاس عليها غرض حراسة الدروب أم لا؟.
واستدل المالكية بجواز اتخاذها للصيد من غير ضرورة على طهارتها فإن ملابستها - مع الاحتراز عن مس شيء منها - شاق والإذن في الشيء إذن في مكملات مقصودة كما أن المنع من لوازمه مناسب للمنع منه.
وقوله وكان صاحب حرث محمول على أنه أراد ذكر سبب العناية بهذا الحكم حتى عرف منه ما جهل غيره والمحتاج إلى الشيء أكثر اهتماما بمعرفة حكمه من غيره.
5 -عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال:"كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من تهامة فأصاب الناس جوع فأصابوا إبلا وغنما وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات"
1 البخاري"5481"ومسلم"1574""51".
2 مسلم"1574""54".