الشمس لم يكتف بغيبوبة القرص عن الأعين ويستدل على غروبها بطلوع الليل من المشرق قال: صلى الله عليه وسلم:"إذا غربت الشمس من ههنا وطلع الليل من ههنا فقد أفطر الصائم"1 أو كما قال فإن لم يكن ثم حائل فقد قال بعض أصحاب مالك: إن الوقت يدخل بغيبوبة الشمس وإشعاعها المستولي عليها وقد استمر العمل بصلاة المغرب عقيب الغروب.
وأخذ منه: أن وقتها واحد والصحيح عندي أن الوقت مستمر إلى غيبوبة الشفق.
وأما العشاء فاختلف الفقهاء فيها فقال قوم: تقديمها أفضل وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال قوم: تأخيرها أفضل لأحاديث سترد في الكتاب وقال قوم: إن اجتمعت الجماعة فالتقديم أفضل وإن تأخرت فالتأخير أفضل وهو قول عند المالكية ومستندهم هذا الحديث وقال قوم: إنه يختلف باختلاف الأوقات ففي الشتاء وفي رمضان: تؤخر وفي غيرهما تقدم وإنما أخرت في الشتاء لطول الليل وكراهة الحديث بعدها.
وهذا الحديث يتعلق بمسألة تكلفوا فيها وهو أن صلاة الجماعة أفضل من الصلاة في أول الوقت أو بالعكس؟ حتى إنه إذا تعارض في حق شخص أمران أحدهما: أن يقدم الصلاة في أول الوقت منفردا أو يؤخر الصلاة في الجماعة أيها أفضل؟ والأقرب عندي: أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل وهذا الحديث يدل عليه لقوله:"وإذا أبطؤوا أخر"فأخر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم ولأن التشديد في ترك الجماعة والترغيب في فعلها موجود في الأحاديث الصحيحة وفضيلة الصلاة في أول الوقت وردت على جهة الترغيب في الفضيلة وأما جانب التشديد في التأخير عن أول الوقت فلم يرد كما في صلاة الجماعة وهذا دليل على الرجحان لصلاة الجماعة.
نعم إذا صح لفظ يدل دلالة ظاهرة على أن الصلاة في أول وقتها أفضل الأعمال كان متمسكا لمن يرى خلاف هذا المذهب وقد قدمنا في الحديث الماضي: أنه ليس فيه دليل على الصلاة في أول الوقت فإن قوله:"على وقتها"لا يشعر بذلك والحديث الذي فيه"الصلاة لوقتها"ليس فيه دلالة قوية الظهور في أول الوقت.
وقد تقدم تفسير الغلس وأن الحديث دليل على أن التغليس بالصبح أفضل والحديث المعارض له وهو قوله:"أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر"قيل فيه إن المراد بالإسفار: تبين طلوع الفجر ووضوحه للرائي يقينا.
وفي هذا التأويل نظر فإنه قبل التبيين والتيقن في حالة الشك: لا تجوز الصلاة فلا أجر فيها والحديث يقتضي بلفظة أفعل فيه أن ثم أجرين أحدهما: أكمل من الآخر فإن صيغة.
1 البخاري"1954"ومسلم"1100"عن عمر.