الجنة"1 وكقوله:"فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"2 وقد حمل قوله عز وجل: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [قّ: 39] على صلاة الصبح والعصر بل نزيد فنقول: قد ثبت من التشديد في ترك صلاة العصر ما لا نعلمه ورد في صلاة العصر وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله"3."
وربما سلك من رجح الصبح طريق المعنى وهو أن تخصيص الصلاة الوسطى بالأمر بالمحافظة لأجل المشقة في ذلك وأشق الصلوات: صلاة الصبح لأنها تأتي في حال النوم والغفلة وقد قيل: إن ألذ النوم إغفاءة الفجر فناسب أن تكون هي المحثوث على المحافظة عليها وهذا قد يعارض في صلاة العصر بمشقة أخرى وهي أنها وقت اشتغال الناس بالمعاش والتكسب ولو لم يعارض بذلك لكان المعنى الذي ذكره في صلاة الصبح ساقط الاعتبار مع النص على أنها العصر وللفضائل والمصالح مراتب لا يحيط بها البشر فالواجب اتباع النص فيها.
وربما سلك المخالف لهذا المذهب مسلك النظر في كونها وسطى من حيث العدد وهذا عليه أمران أحدهما: أن الوسطى لا يتعين أن تكون من حيث العدد فيجوز أن تكون من حيث الفضل كما يشير إليه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] أي عدولا الثاني: أنه إذا كان منحيث العدد فلا بد من أن يعين ابتداء في العدد يقع بسببه معرفة الوسط وهذا يقع فيه التعارض فمن يذهب إلى أنها الصبح يقول: سبقتها المغرب والعشاء ليلا وبعدها الظهر والعصر نهارا فكانت هي الوسطى ومن يقول هي المغرب يقول: سبق الظهر والعصر وتأخر العشاء والصبح فكانت المغرب هي وسطى ويترجح هذا بأن صلاة الظهر قد سميت الأولى.
وعلى كل حال: فأقوى ما ذكرناه: حديث العطف الذي صدرنا به ومع ذلك: فدلالته قاصرة عن هذا النص الذي استدل به على أنها العصر والاعتقاد المستفاد من هذا الحديث: أقوى من الاعتقاد المستفاد من حديث العطف والواجب على الناظر المحقق: أن يزن الظنون ويعمل بالأرجح منها.
البحث الثاني: قوله:"ثم صلاها بين المغرب والعشاء"يحتمل أمرين.
أحدهما: أن يكون التقدير: فصلاها بين وقت المغرب ووقت العشاء.
1 الخاري"574"ومسلم"635".
2 البخاري"573"من حديث جرير بن عبد الله.
3 البخاري"553"من حديث بريدة.