لقلة احتمالهم المشقة في السهر فيرجع ذلك إلى أنهم كانوا يحضرون المسجد لصلاة الجماعة ويحتمل أن يكون راجعا إلى من خلفه المصلون في البيوت من النساء والصبيان ويكون قوله رقد النساء إشفاقا عليهم من طول الانتظار.
8 -عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدأوا بالعشاء"وعن ابن عمر نحوه1.
لا ينبغي حمل الألف واللام في الصلاة على الاستغراق ولا على تعريف الماهية بل ينبغي أن تحمل على المغرب لقوله:"فابدأوا بالعشاء"وذلك يخرج صلاة النهار ويبين أنها غير مقصودة ويبقى التردد بين المغرب والعشاء فيترجح حمله على المغرب لما ورد في بعض الروايات:"إذا وضع العشاء وأحدكم صائم فابدأوا به قبل أن تصلوا"2 وهو صحيح وكذلك أيضا صح3:"فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب"والحديث يفسر بعضه بعضا.
والظاهرية أخذوا بظاهر الحديث في تقديم الطعام على الصلاة وزادوا - فيما نقل عنهم - فقالوا: إن صلى فصلاته باطلة.
وأما أهل القياس والنظر فإنهم نظروا إلى المعنى وفهموا: أن العلة التشويش لأجل التشوف إلى الطعام وقد أوضحته تلك الرواية التي ذكرناها وهي قوله:"وأحدكم صائم"فتتبعوا هذا المعنى فحيث حصل التشوف المؤدي إلى عدم الحضور في الصلاة قدموا الطعام واقتصروا أيضا على مقدار ما يكسر سورة الجوع ونقل عن مالك: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون طعاما خفيفا.
واستدل بالحديث على أن وقت المغرب موسع فإن أريد به مطلق التوسعة فصحيح لكن ليس بمحل الخلاف المشهور وإن أريدا التوسعة إلى مغيب الشفق ففي الاستدلال نظر لأن بعض من ضيق وقت المغرب جعله مقدرا بزمان يدخل في مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع فعلى هذا: لا يلزم أن لا يكون وقت المغرب موسعا إلى غروب الشفق.
على أن الصحيح الذي نذهب إليه: أن وقتها موسع إلى غروب الشفق وإنما الكلام في وجه هذا الاستدلال من هذا الحديث.
وقد استدل به أيضا على أن صلاة الجماعة ليست فرضا على الأعيان في كل حال وهذا
1 البخاري"5465"ومسلم"559"واللفظ للبخاري.
2 الطحاوي"1992"وابن حبان"2068"وكلاهما روياه بلفظ:"إذا أقيمت الصلاة وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم".
3 فيما رواه البخاري"672"وتمامه"ولا تعجلوا عن عشائكم".