وإنى لأعدّ إقدام هؤلاء النفر من السلف على مثل هذا التأليف إحياء لخلاف حاول الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان أو قل الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ أن يضعوا له نهاية، بالمحاولة الأولى التى تمت على يد أبى بكر وعمر، ثم بالمحاولة الثانية التى تمت
على يد عثمان وأقره عليها على، وشارك فيها كثير من الصحابة، ومنهم من كان صاحب مصحف مثل «أبى» .
وعثمان لم يقدم على ما فعل إلا حين فزّعه الخلاف، ولم يمض ما أقدم عليه إلا بعد أن اطمأنت نفسه إلى ما انتهى إليه، ولم يطمئن إلى اطمئنانه إلا بعد أن آزرته عليه الكثرة، وبعد هذا كله وقف عثمان موقفه الحازم القاطع فألزم الأمصار بالمصحف الإمام، ثم حرق ما عداه، ومعنى هذا أنه لا رجعة إلى هذا الخلاف، ولا سبيل إلى الرجعة إليه، إذ لو صح أن ثمة شك قد انتهى إليه عثمان لما كان منه هذا القرار الحازم القاطع.
ولعلك تذكر ما كان من مروان من إحراقه مصحف حفصة الذى كان مرجعا من مراجع المصحف الإمام. ولقد كان سنده، غير أنه أراد من هذا ألا يكون ثمة رجعة إلى الوراء تثير هذا الخلاف في كتاب قال فيه تعالى: {إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} [1] .
وبعد ما يقرب من قرن إلا قليلا يطالعنا ابن عامر بمؤلفه في اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق، أو قل: بعد أن اختفى جيل القراء الأول والثانى والثالث من الميدان، وبعد أن نفض أصحاب المصحف الامام أيديهم من أدلتهم واطرحوها وأحرقوها، بعد هذا كله تثار قضية لا تكافؤ فيها، أدلتها الخلافية قطع فيها بالرأى، واستبعد شىء لا يستقيم وأقيم مقامه شىء مستقيم.
(1) الحجر: 12.