إذن فتجزئة القرآن ثلاثين جزءا لم تغب عن القرن الثانى الهجرى، ولا يبعد أن تكون دون منتهاه بكثير، فلقد كان مولد أبى بكر سنة ست وتسعين من الهجرة، والرجل يصلح للتلقى والرواية مع الخامسة والعشرين من عمره، أى إن أبا بكر كان رجل رواية وتلقّ مع العام العشرين بعد المائة الأولى من الهجرة.
وهذه التجزئة الأخيرة، أعنى تجزئة القرآن ثلاثين جزءا، هى التجزئة التى غلبت وعاشت، ولعل ما ساعد على غلبتها يسرها، ثم ارتباطها بعدد أيام الشهر، ونحن نعلم كم تجد هذه التجزئة إقبالا عظيما في شهر رمضان من كل عام. وما نظن الذين جزّءوا انتهوا إلى هذه التجزئة الأخيرة في مرحلة واحدة متجاوزين التجزئة العشرية إلى التجزئة الثلاثينية، والذى نقطع به أنه كانت ثمة تجزئات بين هاتين المرحلتين لا ندرى تدرّجها، ولكن يعنينا أن نقيد أن ثمة تجزئة تقع في عشرين جزءا، تحتفظ بها مكتبة دار الكتب.
وبهذه التجزئة أى إلى ثلاثين جزءا أصبح القرآن يعرض أجزاء منفصلة، كل جزء على حدة، وأصبحنا نراه في المساجد، لا سيما في شهر رمضان، محفوظا في صناديق بأجزائه المتمّة الثلاثين، كل مجموعة في صندوق، يقدّمه الراغبون في الثواب إلى الوافدين إلى المساجد رغبة في تلاوة نصيب من القرآن.
وأصبح يطلق على هذه الأجزاء المتمة الثلاثين اسم ربعة. والربعة في اللغة: الصندوق، أو الوعاء من جلد. ولعل تسمية الأجزاء المتمة الثلاثين بهذا الاسم جاءت من إطلاق المحل على الحال فيه.
ولكن هذا التيسير الأخير جرّ إلى تيسير آخر يتصل به، وما نشك في أن الدافع إليه كان التيسير على الحافظين، بعد أن كان التيسير على القارئين، وفرق بين أن ييسر على قارئ وبين أن ييسّر على حافظ.