والصّحيح، كما ثبت لك، أن هذه الحروب إن صح أنها كانت حروبا لم يقصد فيها المسلمون إلا إلى الذى حدّثتك عنه، وأنها لم تكن عير وثبة بعد صبر طويل، وكانت وثبة تحكى وثبات العصر
شىء وتخالفه في شىء، تحكيه في مظهرها الإرهابى، وتخالفه في مظهرها السّلبىّ.
ومنذ أن دخل المسلمون مع المشركين في غزوة بدر الثانية، بدأ الشّقّ الثانى من الحروب. فلقد أخذت الحرب في هذا الشّقّ الثانى مظهرها الحق، فنشبت تمليها الخصومة القائمة بين عقيدة وعقيدة، وكان الخروج إليها خروجا من أجل إثبات عقيدة ومحو أخرى، واختفت تلك الأسباب الأولى التى أثارت حروب الشّقّ الأول، اختفى مظهر الإرهاب وما إليه، من تتبّع عير أو التعرّض لها، وبدأ مظهر التطاحن من أجل العقيدة، ومن أجل نشر العقيدة، وعلى هذا توالت غزوات الشّقّ الثانى.
فكانت غزوة بنى سليم، التى حدثتك عنها، ثم غزوة بنى قينقاع يهود المدينة، وكانوا على غير صفاء مع المسلمين، وبعد هذه الغزوة كانت غزوة السّويق، التى خرج فيها أبو سفيان ليثأر ليوم بدر.
وحين رجع الرسول من غزوة السّويق، خرج يغزو غطفان، وكان قد بلغه أنهم أعدّوا العدّة لغزوه.
ثم كانت غزوة أحد [1] ، التى خرج فيها المشركون ليثأروا من المسلمين بيوم بدر، وفيها خالف المسلمون أمر الرّسول وتدبيره، فكانت الغلبة للمشركين.
(1) أحد: جبل بينه وبين المدينة قرابة ميل، في شمالها. (معجم البلدان 1: 142) .