انتهى المعتزلة إلى تثبيت مسئولية الانسان عن فعله، وانتهوا من ثم إلى تأكيد مبدأ العدالة الالهية. وكان عليهم أن يستدلّوا على صدق قضيتهم بآيات من القرآن لم يسلّم لهم خصومهم بدلالتها على ما يريدون. ولقد أثارت مسألة خلق الانسان لأفعاله حساسية أهل السنة والأشاعرة، على أساس أن هذا الزعم يؤدّي إلى الشرك «إن قلتم أن الواحد منا يخلق أفعاله من طاعة، أو معصية، أو ايمان، أو كفر فقد شركتم بيننا وبين الله تعالى في الخلق وأنه لا يتم خلقه إلّا بخلقنا. وذلك أن الجسم لا يخلو من حركة، أو سكون، أو كفر، أو ايمان، أو طاعة، أو معصية، فصح أن جميع الذوات مشتركة الخلق بين العبد وبين الرب وأنه لا يتم خلق أحدهما إلّا بمخلوق آخر. وهذا شرك ظاهر نعوذ بالله منه» . وبالرغم من تهافت هذا الالزام الذي يستند إلى التسوية بين الفعل الاختياري والفعل الاضطراري الذي لا ينفك عنه الجسم، فقد سعى المعتزلة لمحاولة نفي هذا الاتهام. وكان الخلاف الأساسي بينهم وبين خصومهم حول امكانية أن يسمى الانسان «خالقا» لأفعاله.
ويبدو أن كلمة «خالق» هي التي أثارت كل هذا الخلاف لما يمكن أن تؤدي إليه من التسوية على الأقل في الوصف بين الله والانسان. ورغم أن المعتزلة قد رفعوا التناقض بين أفعال العباد وأفعال الله، وأعطوا لهذه الأخيرة الأولوية في الوجود إلّا أن وصف الانسان بأنه خالق ما تزال تحتاج منهم لبعض الجهد حتى لا يصبح للخصوم أي شبهة عليهم.
والجهد هنا جهد لغوي حول تحديد معنى «الخلق» وقد اختلف هذا التحديد بين أبي علي الجبائي وأبي هاشم أساتذة القاضي عبد الجبار، الذي يعرض الرأيين ويرجح بينهما «وقد قال شيخنا أبو هاشم، رحمه الله، إنما سمي الخالق خالقا من حيث قصد بالفعل إلى بعض الأغراض. وقال: إن تسمية المخلوق توجد من معنى هو الخلق، والخلق والتقدير هما ارادتان، ولا يوصف الخلق بأنه خلق إلّا والمخلوق موجود. ومتى كان معدوما لم يسم خلقا، والتقدير لا يسمى خلقا إلّا بشرط وجود المقدور، ولا مخلوق إلّا محدث، وقد يكون محدثا ليس بمخلوق، لأنه يفيد صفة زائدة على حدوثه» .
ويلفتنا هذا النص إلى ثلاثة أمور: الأول أن الخلق فعل مقصود لتأدية غرض ما، والخالق يسمى كذلك لأنه يقصد بفعله إلى بعض الأغراض، ولا يفعله عبثا أو خبط عشواء، أو على سبيل السهو والنسيان. الأمر الثاني أن المخلوق مشتق من معنى هو الخلق. والفرق بين الارادة وهي معنى أيضا والخلق، أن الخلق لا يسمى كذلك إلّا والمخلوق موجود. أي أن الخلق، وإن كان معنى، يرتبط
بالتحقق الفعلي. الأمر الثالث أن الخلق غير الإحداث، وأن كل مخلوق محدث، وليس كل محدث مخلوق أي أن المحدث قد يوجد لا لغرض، وليس كذلك المخلوق. وينكر أبو علي أن يكون المخلوق مشتقا من معنى هو الخلق، بمعنى أنه يرفض تسوية أبي هاشم بين الخلق والارادة، ويسوي بين الخلق والتقدير.