فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 269

ويلفتنا هذا النص إلى ثلاثة أمور: الأول أن الخلق فعل مقصود لتأدية غرض ما، والخالق يسمى كذلك لأنه يقصد بفعله إلى بعض الأغراض، ولا يفعله عبثا أو خبط عشواء، أو على سبيل السهو والنسيان. الأمر الثاني أن المخلوق مشتق من معنى هو الخلق. والفرق بين الارادة وهي معنى أيضا والخلق، أن الخلق لا يسمى كذلك إلّا والمخلوق موجود. أي أن الخلق، وإن كان معنى، يرتبط

بالتحقق الفعلي. الأمر الثالث أن الخلق غير الإحداث، وأن كل مخلوق محدث، وليس كل محدث مخلوق أي أن المحدث قد يوجد لا لغرض، وليس كذلك المخلوق. وينكر أبو علي أن يكون المخلوق مشتقا من معنى هو الخلق، بمعنى أنه يرفض تسوية أبي هاشم بين الخلق والارادة، ويسوي بين الخلق والتقدير.

ويتفق القاضي مع أبي علي «وقد بيّنا أن القول بأن هذه الصفة مشتقة من معنى يبعد، وأن الذي قاله أبو علي، رحمه الله، في هذا الباب أولى وأقرب إلى التعارف والاستعمال. وبيّنا أن ما يحتج به، رحمه الله، (يعني أبا هاشم) في أنه اشتقاق من قول الشاعر:

وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

إنما يريد به أنه يخلق ما يفعله في الادم من التقدير، لا أنه أراد به أنه يريد ولا يقطع» فالخلق عند أبي علي وعبد الجبار فعل وليس معنى، بعكس الارادة التي هي معنى. وإذا كان أبو هاشم قد فهم البيت على أساس أنه يريد ولا يقطع، ويكون معنى الخلق عنده هو الارادة، فان أبا علي والقاضي قد فهما البيت على أساس أن الخلق هو فعل ما سبق تقديره. وبناء على ذلك لا بأس لدى المعتزلة، من حيث قضية اللغة لا الاصطلاح، أن يسمى الانسان خالقا «ذلك أنّا لو خلينا وقضية اللغة، لاجرينا هذا اللفظ على الواحد منا كما نجريه على الله تعالى، لأن الخلق ليس بأكثر من التقدير، ولهذا يقال، خلقت الأديم وقال زهير:

ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

وقيل للحجاج: إنك إذا وعدت وفيت، وإذا خلقت فريت، أي قدرت وقطعت.

وأظهر من ذلك كله قوله تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهََا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} وقوله تعالى: {فَتَبََارَكَ اللََّهُ أَحْسَنُ الْخََالِقِينَ} فلولا أن الاسم مما يجوز اجراؤه على غيره وإلّا لتنزّل ذلك منزلة قوله: فتبارك الله أحسن الآلهة.

ومعلوم خلافه. وأمّا في الاصطلاح فإنما لم يجز أن نجري هذا اللفظ على الواحد منا، لأنه عبارة عمّن يكون فعله مطابقا للمصلحة، وليس كذلك أفعالنا، فإن فيها ما يوافق المصلحة، وفيها ما يخالفها، فلهذا لم يجز اجراء هذه اللفظة على الواحد منا لا لشيء آخر» وهكذا يتحرّج المعتزلة بدورهم من اطلاق هذا اللفظ على غير الله، وإن كانت اللغة تسمح بذلك.

لا يختلف الاشاعرة مع المعتزلة في أن معنى الخلق هو التقدير، وإن اختلفوا معهم في الاستدلال بهذه الآيات على جواز تسمية الانسان بأنه خالق «فعيسى عليه

السلام يقدر الطين صورة والخلق يقدرون الصورة صورة لا أنهم يخرجون الصورة من العدم إلى الوجود» وعلينا أن نلاحظ أن سعي الباقلاني لنفي الايجاد من العدم في تأويل هذه الآية، يتسق مع ما سبق أن أشرنا اليه من أن الأشاعرة عموما ينسبون خلق الفعل الانساني إلى الله، وينسبون اكتسابه إلى العبد. ولقد سبق أن أشرنا أيضا إلى ما ذهب إليه الباقلاني خاصة من أن الانسان هو الذي يحوّل فعل الله كالحركة مثلا إلى طاعة أو إلى معصية. ومعنى ذلك كله أن الانسان لا يخلق فعله من عدم، وإنما هو يكتسب فحسب. ولذلك كله يحاول الباقلاني تأويل الآية التي استشهد بها القاضي عبد الجبار، والتي نسبت إلى عيسى عليه السلام خلق صورة من الطين. ويذهب الباقلاني إلى أن عيسى لم يخلق الصورة، أي لم يوجدها من عدم، وإنما هو فقط قدرها على مثال سابق معروف هو هيئة الطير التي هي من خلق الله. والذي لم يلاحظه الباقلاني أن المعتزلة يستدلون بهذه الآيات على جواز التسمية فحسب، دون أن يذهبوا إلى أن الانسان خالق، بمعنى الايجاد من العدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت