فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 269

جواب آخر: وذلك أن لفظة أفعل في كلام العرب قد يراد بها اثبات الحكم لأحد المذكورين وسلبه عن الآخر من كل وجه وذلك في قوله تعالى: {أَصْحََابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} فأثبت حسن المقيل لأهل الجنة مع حسن المستقر وسلب ذلك عن أهل النار أصلا ورأسا لأن أهل النار ليس لهم حسن مستقر ولا حسن مقيل فكذلك قوله تعالى: {أَحْسَنُ الْخََالِقِينَ} أثبت الخلق له، وأنه المنفرد به دون غيره. وكذلك يقول القائل: العسل أحلى من الخل، لا يريد أن

للخل حلاوة بوجه، بل يريد اثبات الحلاوة للعسل وسلبها عن الخل أصلا ورأسا، فكذلك قوله (أحسن الخالقين) أثبت الخلق له دون غيره».

ولا شك أن كلا من المعتزلة والأشاعرة في انشغالهم بقضاياهم الكلامية قد أخرجا الآية عن سياقها الذي وردت فيه. فلم يرد في الآية ذكر لغير الله، خلافا لما ذهب إليه الباقلاني في جوابه الأول. فالآية سيقت لبيان عظمة الله والكشف عن قدرته الباهرة في خلق الانسان خطوة خطوة {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسََانَ مِنْ سُلََالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنََاهُ نُطْفَةً فِي قَرََارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظََامًا فَكَسَوْنَا الْعِظََامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبََارَكَ اللََّهُ أَحْسَنُ الْخََالِقِينَ} (المؤمنون / 1412) . ورغم أن الباقلاني في جوابه الثاني نجح في الاستدلال اللغوي على أن صيغة «أفعل» قد تثبت الحكم لأحد المذكورين وتسلبه عن الآخر، فإنه لم يدرك أن بيان العظمة والسمو ينكشف عن طريق المقارنة التي عبر عنها بهذه الصيغة في كلمة «أحسن» مع اضافتها إلى «الخالقين» . فالمفاضلة في الآية ليست بين خالق وخالق، بل بين خالق وبين كافة الخالقين.

* * * إذا كان المعتزلة قد وجدوا في القرآن آيات يستدلون بها على جواز اطلاق لفظ «خالق» على الانسان، فإن خصومهم، الأشاعرة، يجدون بدورهم آيات أخرى يستدلون بها على أن صفة «الخالق» لا يجوز أن يوصف بها غير الله. وكما حاول الأشاعرة تأويل الآيات التي استدل بها المعتزلة كذلك يحاول المعتزلة تأويل الآيات التي استدل بها الأشاعرة. ويتم كل ذلك في اطار ما أشرنا إليه سالفا من تقسيم كل منهم للقرآن إلى محكم ومتشابه، مع خلافهم فيما يندرج تحت المحكم، وما يندرج تحت المتشابه من آيات.

والدليل الأول عند الأشاعرة قوله تعالى في آيات كثيرة {خََالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} «ومعلوم أن أفعالنا مخلوقة اجماعا وأن اختلفنا في خالقها وهو تعالى قد أدخل في خلقه كل شيء مخلوق فدلّ على أنه لا خالق لشيء مخلوق غيره سبحانه وتعالى. فإن قيل فكلامه شيء فيجب أن يكون مخلوقا، قلنا: قد احترزنا بمحمد الله عن هذا السؤال بقولنا أنه أخبر أنه خلق كل شيء مخلوق. وكلامه وصفات ذاته تعالى قد أثبتنا أنها غير مخلوقة ولا خالقة، بل هي صفة الخالق تعالى قديمة بقدمه وموجودة بوجوده قبل جميع المخلوقات. فبطل هذا السؤال» واستثناء الباقلاني كلام الله من الأشياء المخلوقة التي يقع عليها عموم لفظ «كل» في الآية، يتسق مع ما ذهب إليه الأشاعرة من قدم الكلام الالهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت