والمعتزلة من جانب آخر يستثنون أفعال العباد من عموم الآية، ويدخلون فيها القرآن «ولولا قيام الادلة على اخراج أفعال العباد منه لوجب دخوله في العموم، ولا دلالة توجب اخراج القرآن منه، فيجب دخوله فيه» وفي مسلك كلا الفريقين إزاء هذه الآية ما يكشف لنا كيف تحوّل القرآن عند المتكلمين إلى وسيلة استدلالية للجدل والنزاع. وما دام الفريقان قد تنازعا الآية، فمن حق كل منهم أن يتأوّلها وفقا لرأيه. ويتم اخراج الآية عن عمومها وظاهرها عند المعتزلة على أساس أنها «وردت مورد التمدح، ولا مدح بأن يكون الله تعالى خالقا لأفعال العباد وفيها الكفر والالحاد والظلم، فلا يحسن التعلق بظاهره.
فإذا عدلتم عن الظاهر فأخذتم بالتأويل، فلستم بالتأويل أولى منا، فنتأوّله على وجه يوافق الدليل العقلي، فنقول إن المراد به {اللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} أي معظم الأشياء، والكل يذكر ويراد ما ذكرنا، قال الله تعالى في قصة بلقيس {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} مع أنها لم تؤت كثيرا من الأشياء».
ويستخدم أبو هاشم الجبائي، عند تأويله للآية، لفظ «المبالغة» وهو نفس اللفظ الذي وضع الرماني الآية تحته في رسالته «النكت في اعجاز القرآن» كما أسلفنا الاشارة. يقول: «إن التعارف في استعمال هذه اللفظة قد جرى بمعنى التكثير والمبالغة كقوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} (النمل / 23) وقوله {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} (الأحقاف / 45) {يُجْبى ََ إِلَيْهِ ثَمَرََاتُ كُلِّ شَيْءٍ} (القصص / 57) ، {مََا فَرَّطْنََا فِي الْكِتََابِ مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام / 38) وكقول الرجل أكلنا كل شيء، وعندنا كل خير، وعلى هذا خاطب عز وجل العرب» واستخدام مصطلح «المبالغة» بالمعنى الذي أشار إليه الرماني له دلالته في الارتباط الوثيق بين المجاز والتأويل، واستخدام المجاز أداة للتأويل واخراج النص عن ظاهره ليلائم الدليل العقلي. غير أن هذا التأويل يستند إلى شواهد كثيرة من القرآن وكلام العرب.
والدليل الثاني الذي يستدل به الأشاعرة هو قوله تعالى {وَاللََّهُ خَلَقَكُمْ وَمََا تَعْمَلُونَ} (الصافات / 96) «فأخبر تعالى أنه خالق لأعمالنا على العموم كما أخبر أنه خالق لصورنا وذواتنا على العموم وهذا من أوضح أدلّة الكتاب» .
ويستند المعتزلة في تأويلهم لهذه الآية إلى فكرة السياق من ناحية، وإلى تقدير محذوف في الكلام من ناحية أخرى. أمّا فكرة السياق فلأن الله «إنما ذكر ذلك ليقرع عباد الأصنام ويوبخهم، ومعلوم أن التوبيخ والتقريع لا تعلق له بعملهم، وله تعلق بما عملوا فيه من الأصنام، فأراد تعالى أن يبين أنه الخالق لما يحاولون
عبادته، كما أنه الخالق لهم، وأنه أولى بالعبادة من الأمرين، وأنه لا معنى في عبادة الصنم إلّا ومثله قائم في عبادة الانسان» أي أن التقريع في الآية لا ينصبّ على الفعل الانساني، وإنما ينصبّ على الأصنام التي يقوم الانسان بصنعها ثم يعبدها.